بحث :  
إقليم تيجراي الأثيوبي.. البحث عن الانفصال
إقليم تيجراي الأثيوبي.. البحث عن الانفصال
[10/نوفمبر/2020]

عواصم – سبأ: محفوظ الفلاحي

يبدو أن الأوضاع في إقليم تيجراي الإثيوبي خاصة وفي إثيوبيا عامةً تتجه نحو مزيداً من التصعيد خاصة بعد اتهام رئيس الوزراء آبى أحمد لـ"جبهة تحرير شعب تيجراي" هذه المنطقة بـ"مهاجمة قاعدة عسكرية فدرالية"، وبأن الرد سيكون مؤلم على الهجوم.

وذكر تقرير لصحيفة واشنطن بوست الأمريكية إن الأزمات في إثيوبيا تزداد بشكل مضطرد منذ حصول رئيس وزرائها آبي أحمد على جائزة نوبل للسلام العام الماضي.


وأضاف التقرير أن إثيوبيا تعاني من اضطرابات سياسية تزداد باستمرار، مما قوّض بعض الآمال "السامية" التي عقدت على آبي أحمد من قبل أنصاره واللجنة المانحة للجائزة في أوسلو النرويجية.

وأوضح التقرير أن آبي أحمد باشر منذ تعيينه رئيسا للوزراء عام 2018 في وضع أجندة إصلاحات، منها بسط الحريات المدنية وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين وتحرير التجارة واعداً بإجراء أول انتخابات حرة وتعددية في تاريخ إثيوبيا.

إلا أن سلسلة من الأزمات عصفت بالبلاد بعد ذلك مما أدى إلى إبطاء وتيرة الإصلاحات وإثارة تساؤلات من قبل الكثيرين عما إذا كان تتويج آبي أحمد بجائزة نوبل للسلام أمراً سابقاً لأوانه، حيث أدت أعمال عنف عرقية وسياسية واسعة النطاق، واعتقال قادة المعارضة وحالات استقطاب حادة حول جدول الانتخابات الموعودة - التي أُجِّلت عقب تفشي جائحة فيروس كورونا - إلى زعزعة استقرار البلاد على نحو متعاظم.


تحديات وعراقيل

لعل أكبر تحدٍ يواجه رئيس الوزراء الإثيوبي هو التململ الذي يشهده إقليم أوروميا الذي يشتكي سكانه - الذين ينتمون لمجموعة الأورومو العرقية الأكبر في إثيوبيا- من التهميش السياسي الذي تعرضوا له مع تعاقب الحكومات السابقة، وينتمي آبي أحمد إلى العرقية نفسها، ويتهمه الزعماء الأوروميون بمواصلة إقصائهم.

وكان آبي أحمد قد قال في مقال نشرته مجلة "إيكونوميست" البريطانية أن التزامه بإجراء إصلاحات "يظل راسخا رغم العقبات العديدة التي اعترضت البلاد خلال عامين ونصف العام"، إلا أنه أقر بالصعوبة التي تكتنف عملية بناء السلام في بلد له تاريخ طويل من أنظمة الحكم الاستبدادية.


توترات عرقية

وكانت اضطرابات قد اندلعت في الإقليم عقب اغتيال مغنٍ شهير في 29 يونيو الماضي، ولقي ما يزيد على 200 شخص مصرعهم، بعضهم في اشتباكات مع الجيش والشرطة، كما اعتُقل أكثر من 9 آلاف آخرين وُجهت لقرابة الثلثين منهم تهم بارتكاب جرائم، منهم جوهر محمد وبيكيلي جيربا أقوى زعيمين للمعارضة.

وأشار عضو في هيئة الدفاع عن الزعيمين إلى أن التهم الموجهة لهما ذات دوافع سياسية الهدف من ورائها منع المعارضة من المشاركة في الانتخابات المقبلة، والتي يعتقد أنها كانت ستفوز بها.

ويعتقد مراقبون أن نذر أزمة سياسية أخرى تلوح في إقليم تيجراي الشمالي، الذي مضى قدما في إجراء انتخاباته المحلية رغم تعليق مفوضية الانتخابات الوطنية لعمليات الاقتراع كافة بسبب جائحة فيروس كورونا.

وتصاعد التوتر منذ سبتمبر الماضي عندما أجرى الإقليم انتخابات في تحدِ للحكومة الاتحادية، التي وصفت التصويت بأنه "غير قانوني"، وتبادل الجانبان في الأيام القليلة الماضية الاتهامات بالتخطيط لإشعال صراع عسكري.

وتفجر العنف مرات عدة منذ تولي أبي السلطة، حيث قام مسلحون بقتل 32 شخصاً وأضرموا النار في أكثر من 20 منزلا في غرب إثيوبيا الأمر الذي جعل رئيس الوزراء آبي أحمد يصدار قراراً للجيش لمواجهة الحركة الانفصالية في إقليم تيجراي وذلك بعد "هجومهم على قاعدة عسكرية" هناك.

واتهم أبي أحمد "جبهة تحرير شعب تيجراي" وهي أكبر حركة سياسية في الإقليم بالوقوف وراء الهجوم.. مؤكداً أن الجبهة حاولت الاستيلاء على معدات وأسلحة من القاعدة..وقال "عندما كسرت الخطوط الحمراء، تم اللجوء إلى استخدام القوة كآخر وسيلة لإنقاذ الوطن والشعب".


الشريك الأقوى

وتعد جبهة تحرير شعب تيجراي الشريك الأقوى في الائتلاف الحاكم في إثيوبيا حتى عام 2018، وعندما تولى آبي منصبه تضاءلت قوة الحزب، وأنشأ آبي حزباً حاكماً جديداً، لكن الجبهة لم تنضم إليه.

وفي سبتمبر،مضت سلطات تيجراي قدما في الانتخابات، في تحد للتأجيل على مستوى البلاد، الذي تم وضعه في أعقاب تفشي فيروس كورونا، وكانت الحكومة الاتحادية وصفت انتخابات برلمان تيجراي بأنها "غير قانونية".

وأثار التصويت مخاوف من أن الجبهة كانت تمهد الطريق لإنشاء دولة منشقة، مع تولي البرلمان والحكومة السلطة دون موافقة الحكومة الاتحادية.


لكن الجبهة قالت إنها ملتزمة بإبقاء الإقليم داخل إثيوبيا، لكنها أوضحت أنها ستدافع عن "الحكم الذاتي"، وتعارض ما وصفته بمحاولة آبي لبناء دولة "موحدة" قوية.

وفي الشهر الماضي، وافق نواب البرلمان الإثيوبي على خفض التمويل المقدم لإقليم تيجراي، وهو القرار الذي وصفه مسؤول بالإقليم بأنه "يرقى لإعلان الحرب".


حالة طوارئ

من جهتها أعلنت الحكومة الاتحادية حالة الطوارئ لمدة ستة أشهر في ولاية تيجراي، وتم إغلاق المجال الجوي في المنطقة، بالإضافة إلى أن نواب البرلمان الإثيوبي صوتوا على حل الحكومة المحلية في إقليم "تيجراي" الاتحادي وتعيين حكومة محلية جديدة بعد أن أطلقت الحكومة الإثيوبية عملية عسكرية في المنطقة، حيث أصدر البرلمان الإثيوبي قراراً بحل البرلمان المحلي في الإقليم وتشكيل إدارة مؤقتة، حسب ما أفادت هيئة الإذاعة الإثيوبية.

واستند قرار البرلمان على بند قانوني يسمح للحكومة الاتحادية بالتدخل في الأقاليم التي يرى أنها "انتهكت الدستور وتشكل خطراً على النظام الدستوري".


هيمنة سياسية

هيمنت "جبهة التحرير الشعبية في تيجراي" على الحياة السياسية في إثيوبيا لثلاثة عقود تقريبا قبل أن يصل آبي إلى السلطة عام 2018 محمولا على احتجاجات شعبية ضد الحكومة، ويشكل أهالي تيجراي ما لا يزيد على 6 في المئة من عدد سكان إثيوبيا البالغ مئة مليون.

وقد اشتكى زعماء المناطق استهدافهم بشكل غير عادل بمحاكمات بتهم فساد وإقالتهم من مناصبهم واتخاذهم كباش فداء للمشاكل التي يواجهها البلد.


حكومة مؤقتة

أعلن المجلس الفيدرالي بالبرلمان الإثيوبي الموافقة على تشكيل حكومة مؤقتة لإقليم تيجراي شمال البلاد، في حين نفت إريتريا تقارير اتهمتها بالتحريض على المواجهات في الإقليم.

كما قرر المجلس تدخل الحكومة المركزية بالإقليم وفقا للمادة 62 من دستور البلاد، وحل المجلس التشريعي والتنفيذي في تيجراي، وإنشاء إدارة مؤقتة حتى إجراء انتخابات تشريعية وفدرالية لاحقا..داعيا كافة المواطنين بالإقليم إلى الوقوف إلى جانب قوات الدفاع الإثيوبية، ودعم الإجراءات التي تتخذ ضد "الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي" الحاكمة بالإقليم.


ضربة عسكرية

وكان رئيس الوزراء آبي أحمد قد أمر الجيش بشن حملة عسكرية ضد الجبهة، متهما إياها بمهاجمة قاعدة عسكرية للجيش الاتحادي، حيث واصلت الطائرات الإثيوبية قصف الإقليم، في وقت تعهد أحمد بمزيد من الضربات الجوية، وذكرت تقارير عن سيطرة قوات الإقليم على مواقع عسكرية اتحادية مهمة وأسلحة.

وقال آبي أحمد "الجولة الأولى من العمليات العسكرية قد اكتملت بنجاح وقد حققت أهدافها الثلاثة، الأول احتواء هجوم الجبهة، ومنعها من مهاجمة الجيش والمواطنين والبنى التحتية، والثاني إنقاذ سلاح الجيش الفدرالي من الوقوع في أيدي الجبهة، أما الهدف الثالث فهو إضعاف قدرات الجبهة حتى لا تستخدم الأسلحة الثقيلة ضد الآخرين".

وأشار آبي في بيان بثه التلفزيون الرسمي إلى أن حكومته "ستكمل ما بدأته حتى يتم تقديم المتمردين للعدالة".


نفي إريتري

من جانب آخر، نفت الحكومة الإريترية في بيان لوزارة الإعلام الإريترية التقارير التي تفيد بأن رئيس البلاد أسِياس أفوَرقي هو الذي يقف خلف الأحداث في تيجراي وأنه العقل المدبر والمحرض على المواجهات في الأقليم.

وأكد البيان أن "هذه المعلومات لا أساس لها من الصحة، وتتعارض مع الحقائق الدامغة"..مشراً إلى أن السبب المباشر للصراع هو الهجوم الذي شنته "جبهة تيجراي" على وحدات من الجيش الإثيوبي بالقيادة الشمالية، وأن الجبهة نفسها لم تنكر هذه الحقيقة.


أسباب الانفصال

ويسعى الإقليم للانفصال عن الحكومة المركزية، حيث تحدث رئيس جبهة تحرير التيجراي في الذكرى 45 لتأسيس الجبهة بالاحتفالات التي تميزت بعسكرة واضحة وغاب عنها الفيدراليون، وهدد بانفصال الإقليم عن إثيوبيا.

وبحسب كتاب "الأقليات في أثيوبيا.. الأنثروبولوجيا الاجتماعية"، فأن إقليم تيجراي واجه مشكلتين، تمثلت الأولى في تحمل الإقليم أعباء الغزوات الأجنبية والحروب التي خاضتها أثيوبيا منذ نهاية القرن التاسع عشر، مما جعل الحياة المستقرة هناك شبه مستحيلة، وتهيأت البيئة لانتشار الفساد والفقر وانعدام سيادة القانون وقطع الطرق.

أما المشكلة الثانية تراجع دور التيجراي في التأثير في السياسة الأثيوبية لمصالح الحكام الأمهرا كما أنه رغم مساهمته بدور مهم في السياسة والحضارة الأثيوبية، تعرض إقليم تيجراي للتقسيم الإداري، كما شهد اختلاف المساواة في توزيع عوائد الدولة لصالح النخبة السياسية وتآكل المؤسسات التقليدية في إثيوبيا.

أدى انتقال المركز السياسي للدولة إلى الجنوب إلى انخفاض الأهمية السياسية لإقليم تيجراي، وخاصة مع اتباع الحكومة سياسة تفريغ الإقليم من القدرات والموارد السياسية والاقتصادية، وترتب على ذلك شعور التيجراي بعدم المساواة.

ويوضح الكتاب أنه خلال السنوات الأولى ارتبط تكوين جبهة تيجراي على أساس الوعي القومي بتعسف الحكومات المركزية المتعاقبة على حكم أثيوبيا ضد التيجراي، أو تضمن الخطاب السياسي للجبهة على شمول البعدين القومي والاثني.


الصراع الإثني والسياسي بين القوميات الإثيوبية

في يوليو 2019 أعد البروفيسور يوناس أديي أديتو الأستاذ المساعد للأمن الدولي وبناء السلام بمعهد الدراسات الأمنية في جامعة أديس أبابا ورقة عن الصراع والتطرف الإثني في إثيوبيا حيث تضمنت الورقة استطلاعاً للرأي كانت نتيجته أن 82% من الإثيوبيين يعتقدون أن خطر التطرف الإثني في بلادهم كبير ومهدد لمستقبل بلادهم وتماسكها الداخلي، أما السفير الأمريكي السابق لدى إثيوبيا الخبير في شؤون القرن الأفريقي دافيد شين، فقد أبدى مخاوفه من تصدع إثيوبيا بسبب تصاعد الصراعات العرقية التي تزايدت وتيرتها في العامين الأخيرين، على خلفية صراع سياسي يتخذ طابعاً إثنياً، ظهر إلى العلن بعد وصول عرقية "الأورمو" إلى سدة الحكم بقيادة رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد.

في الفترة الأخيرة أصبح آبي أحمد الحائز على جائز نوبل للسلام أكثر قسوةً من ذي قبل مع معارضيه في الداخل والخارج وتحديداً فيما يتعلق بسياساته الخارجية، وربما يعود ذلك إلى قرب السباق الانتخابي المقرر له نهاية هذا العام والمؤجل بسبب جائحة كرورنا، فقضية سد النهضة تعد القضية الأولى في إثيوبيا لما لها من أهدافٍ إقتصادية وسياسية وإثنية، لذلك تظل برنامج انتخابي يتنافس حوله الجميع، كما أن آبي أحمد أصبح أمام خيارين لا ثالث لهما إما أن يستجيب لرؤية الداخل الإثيوبي ويملأ بحيرة السد في الموعد المحدد له الشهر المقبل – وهو ما يتحفظ عليه المجتمع الدولي بقيادة مجلس الأمن في ظل عدم الإتفاق بين الدول الثلاث ( مصر والسودان واثيوبيا) – وإما أن ينحني لتك العاصفة الدولية ويؤجل ملء بحيرة السد – فالرجل يبحث عن قبول ونفوذ دولي أكبر- وحينها سيفقد منصبه بنهاية هذا العام.


تاريخ تيجراي

منذ 1989 وإلى 2018م تُدار إثيوبيا عبر ائتلاف يتكون من أربعة مكونات تمثلها "جبهة تحرير شعب تيجراي"، و"الجبهة الديمقراطية لشعب أورومو"، و"الحركة الديمقراطية لقومية أمهرا"، و"الحركة الديمقراطية لشعوب جنوب إثيوبيا".

ولهذا الائتلاف أمين عام يُشترط فيه أن يكون رئيساً لحزبه حتى يُقدم ويُنتخب لرئاسة الائتلاف والذي بدوره يصبحُ رئيساً للوزراء، وفي عام 2016م اندلعت احتجاجات صاخبة وعنيفة في إقليمي الأورومو والأمهرا احتجاجاً على نتائج إنتخابات 2015م التي يعتقد الأورومو والأمهرا أنها أقصت مكونيهما من السلطة وكرّست السلطة التنفيذية في نخبة التيجراي، وعلى أثر تلك التظاهرات تقدم رئيس الوزراء السابق هيلي ماريام ديسالين باستقالته آمِلاً أن تكون حلاً سياسياً وإقتصادياً، وعلى أثرها قدم الائتلاف الحاكم آبي أحمد ذا الخلفية الأورومية خلفاً لسلفه الذي ينحدر من شعوب جنوب إثيوبيا بهدف تحقيق التوازن السياسي والإصلاح الجذري وكبح جماح التظاهرات الإثنية.


قلق أممي

من جهة أخرى، أعرب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش عن قلقه بشأن القتال في إقليم تيجراي.

وقال غوتيريش عبر تويتر إن "استقرار إثيوبيا مهم لمنطقة القرن الأفريقي برمتها، أدعو إلى وقف التصعيد فورا وحل النزاع بشكل سلمي".

وقال ستيفان دوجاريك المتحدث باسم الأمين العام إن غوتيريش سيجري محادثات هاتفية مع أديس أبابا لمحاولة وقف التصعيد في تيجراي.

وأشار إلى أن المبعوث الأممي الخاص للقرن الأفريقي بارفي أونانغا أنيانغا وصل إلى العاصمة الإثيوبية، مؤكدا أن الوضع الراهن في البلاد يشكل خطراً على المنطقة.


العنف ضد المرأة ظاهرة عالمية
بلقاءه نتنياهو.. ابن سلمان يثبت ترابط مصالح آل سعود والكيان الصهيوني
ملتقى الحوار السياسي الليبي يبدأ أعمال جولته الثانية في تونس
الحكومة المغربية وجبهة البوليساريو..تجدد الصراع
الحكومة الإثيوبية تعطي قادة اقليم تيغراي فرصة أخيرة للاستسلام بسلام
أدباء ومثقفون: رحيل المنصور خسارة فادحة للساحة الأدبية والجبهة الثقافية
ترامب يتلقى ضربة جديدة لجهوده في قلب نتائج انتخابات الرئاسة الأمريكية
سياسيون وإعلاميون: رحيل المنصور يترك فراغاً يصعب ملؤه في الوقت الحاضر
مع انطلاقها غدا .. تزايد دعوات مقاطعة قمة العشرين بسبب جرائم آل سعود
استفادة أكثر من 44 ألف شخص من خدمات مستشفى فلسطين بأمانة العاصمة