بحث :  
جائحة كورونا .. تؤجج حرباً باردةً جديدة
جائحة كورونا .. تؤجج حرباً باردةً جديدة
[18/مايو/2020]

عواصم – سبأ: محفوظ الفلاحي

 بات من الواضح أن هناك إجماع دولي سياسي وأكاديمي وإعلامي على أن التوترات المتزايدة بين الولايات المتحدة والصين - التي تفاقمت بسبب وباء فيروس كورونا - هي بداية حرب باردة جديدة في إشارة إلى التوتر السياسي والعسكري والاقتصادي وما يرافقه من معارك إعلامية ومخابراتية بين الولايات المتحدة والصين وهو توتر يشبه إلى حد كبير ما حدث في الحرب الباردة التي امتدت بين 1945-1991م ، بين الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين والاتحاد السوفييتي وحلفائه الشرقيين ولكن هذه المرة بأطر وأساليب و مجالات جديدة مختلفة.

بوادر الصراع الصيني الأمريكي

-  خوف أمريكي من الصين :

منذ الوهلة الأولى له في البيت الأبيض أكد الرئيس دونالد ترامب بصراحة أن الصين تُشكل تهديداً للدولة الأمريكية وأنها منافسة وعدوة للأمة الأمريكية، وعلى مدى العقود السبعة الماضية، عملت الولايات المتحدة على تطويق الصين، فسياسة أوباما «التحول نحو آسيا» وتوجه ثلثي القوات البحرية الأمريكية نحو آسيا كانت مصممة لاحتواء الصين، وعزز ذلك عقيدة الدفاع الوطني لترامب الذى وضع فيها رسمياً أولويات البنتاجون لتكون «منافسة القوى العظمى» الصين ثم روسيا.

 

-  إمكانية أن يعود النظام العالمي ثنائي القطبية :

تعتبر الصين المرشحة لأن تكون نداً للولايات المتحدة بسبب اقتصادها القوي والمُتنامي، فهي تأتي في المرتبة الثانية بعد أمريكا في هذا المجال بالإضافة إلى كتلة سكانية هائلة، وموقع جغرافي فريدٍ داخل أوراسيا، وقدرات عسكرية لا يُستهان بها، واختراق الصين لكثير من أرجاء العالم تحت مظلة الاقتصاد، حتى أمريكا فإن أسواقها مليئة بالإنتاج الصيني، والصين هي أكبر دولة دائنة للولايات المتحدة.

كل ما سبق وغيره جعل المحللين يقدمون الصين على غيرها من الدول، في توقعاتهم لعودة التوازن العالمي من جديد.

 

-   توترات عديدة بين الدولتين :

تخوض الولايات المتحدة والصين منافسة قوية على التجارة والتكنولوجيا والتنافس العسكري على بحار جنوب وشرق الصين والتي بلغت ذروتها في عام 2016م، عندما زادت الصين من نشاطها العسكري في هذه المنطقة ونشر الولايات المتحدة لمنظومة الدفاع الجوي (ثاد) في كوريا الجنوبية التي لجأت إلى محكمة التحكيم الدائمة من أجل إصدار حكم ضد الصين في نزاع بحر الصين الجنوبي.

كورونا تشعل التوتر الصيني الأمريكي

 

أشعلت جائحة كورونا معركة دبلوماسية وإعلامية بين الولايات المتحدة والصين ففي الوقت الذي تشن فيه واشنطن حملة تحاول فيها شيطنة النظام الصيني، كصانع لهذا الفيروس عن سابق تصور وتصميم ترد الصين بحملة مشابهة تحاول تسويق نظامها كأفضل نموذج حوكمة في القضاء على الوباء.

فمنذ أسابيع والحملة الأمريكية التي تستهدف الصين متأججة، فتارة يتهمونها بتصنيع الفيروس ونشره في العالم، وأنها تملك "أدلة"، تؤكد أن فيروس كورونا المستجد جاء من مختبر في مدينة (ووهان) الصينيّة، وتارة يتهمون الصين بتضليل العالم، بعد أن "أخفت" معلومات عن انتشار الفيروس ويهددون بفرض عقوبات اقتصادية عليها ومحاكمتها للحصول على تعويضات بمئات المليارات من الدولارات.

من جانبها ترد الصين على الولايات المتحدة الأمريكية، بأن واشنطن هي سبب انتشار الفيروس في الصين، لأنها أرسلت جنوداً أمريكيين إلى مدينة ووهان وكانوا يحملون الفيروس.

وبات من الواضح أن الولايات المتحدة تحاول من خلال هذه الاتهامات أن تهرب من أزمتها الخاصة بتفاقم أزمة تفشى فيروس كورونا بين مواطنيها، من أجل أن تخفف الإدارة الأمريكية من الضغوط التي عليها، والانتقادات التي يتم توجيهها لها بشأن التقاعس في مواجهة أزمة الوباء، وأيضا للفت النظر عن خسارة أمريكا حرب العلاقات العامة لمصلحة الصين التي أدارتها بذكاء شديد، وبطرق عملية من خلال تقديم مساعدات طبية وإدارية تشمل الخبرات والمعدات لأكثر من 90 دولة.

وبحلول 19 مارس، اليوم الذى أعلنت فيه الصين انتصارها على الفيروس، سجلت الولايات المتحدة أكبر زيادة في أعداد الوفيات والإصابات في يوم واحد مقارنة بأي دولة أخرى في العالم، كما عانت المستشفيات الأمريكية من نقص المعدات اللازمة ما اضطر الأطباء إلى تصميم أقنعتهم الخاصة، وكان الأطباء بحاجة ماسة إلى أقنعة التنفس N95 التي تعمل على تصفية الهواء لحماية أنفسهم من العدوى أثناء علاجهم للمرضى.

وفى ظل نظام الرعاية الصحية الأمريكي الذى دمرته الجائحة في مرحلتها الأولى فقط، جلست الولايات المتحدة تشاهد الصين وهى تشرع في أكبر مهمة إنسانية دولية في العصر الحديث، عبر عنها شكر رئيسة المفوضية الأوروبية «أورسولا فون دير لين» الصين على تبرعها بمليوني قناع جراحي و200 ألف قناع N95، و50 ألف أدوات اختبار لأكثر المناطق المتضررة في أوروبا، وقول رئيس صربيا بعد أن تسلم المساعدات الصينية أن الدولة الوحيدة التى يمكن أن تساعدهم هي الصين.

الحرب التجارية

 

مسار التوتر بين واشنطن وبكين اتسم بالتصاعد وبقفزات متسارعة منذ أن دخل الرئيس دونالد ترامب البيت الأبيض في يناير 2017م، إذ سرعان ما كشف الرئيس الجديد، القادم من عالم المال والأعمال، عن سياسة عدائية تجاه الصين تمثلت في إلغاء معاهدة الشراكة عبر المحيط الهادئ التي سعى سلفه الرئيس أوباما لتوطيدها كنوع من احتواء المنافسة التجارية الصينية.

وأعلن ترامب حرباً من السياسات الحمائية ضد البضائع الصينية، ما دفع الصين لاتخاذ إجراءات مماثلة بالمقابل (المعاملة بالمثل) لتنطلق شرارة الحرب التجارية، غير أن الرئيس ترامب تجنب الدخول في حرب تجارية كاملة يقوم فيها الجانبان بفرض التعريفات العقابية القصوى، فهو على الأرجح كان يسعى إلى تجنب أية ضربات قوية للاقتصاد الأمريكي، من شأنها أن تمثل تهديداً لفرص إعادة انتخابه.

ومن هنا  يمكننا القول أن صفقة التجارة التي تم الإعلان عنها بين الدولتين في يناير 2020م، لا تعدو كونها هدنة ذات نتائج محددة مسبقًا.

الحرب التكنولوجية

 

وفيما يبدو أن الحرب التجارية هادئة في الوقت الحالي، لكن الحرب الباردة في مجال التكنولوجيا المتطورة مازالت مستعرة من خلال حرب شركات التقنيات والاتصالات التي باتت احتكاراً رسمياً للصينيين نتيجة التقدم الذي أحرزته شركاتهم في ما يعرف بتكنولوجيا الجيل الخامس في قطاع الاتصالات “G5”.

لقد كان هناك سيل مستمر من الإجراءات الأمريكية الصارمة التي تهدف إلى تقزيم دور الصين في قطاع التكنولوجيا المتطورة، فقد سعت إدارة ترامب إلى فرض العقوبات على شركة (هواوي) الصينية العملاقة بالإضافة إلى مجموعة “ZTA” الحكومية الصينية اللتان تحتكران تقنيات الجيل الخامس، وقد حذرت الولايات المتحدة شركائها الأوروبيين من السماح لهاتين الشركتين باحتكار سوق “G5” في أوروبا.

وعلى الرغم من ذلك، حتى اليوم وافقت ثلاث دول فقط على تلبية الرغبات الأمريكية وهي اليابان وأستراليا وفيتنام، حتى بين دول مجموعة الدول السبع الصناعية الكبرى (G7)، يعتزم أعضاء مثل بريطانيا وألمانيا التزود بمعدات هواوي بعد فرض بعض الشروط، علاوة على ذلك فإن معظم أعضاء مجموعة العشرين (G20) بخلاف دول مجموعة الدول السبع الصناعية الكبرى (G7) يعربون بشكل صريح عن ترحيبهم بشركة هواوي.

وحافظت واشنطن على خط متشدد فيما يتعلق بالتكنولوجيا المتطورة وتضمنت الإجراءات الأمريكية قيوداً أكثر صرامة على الاستثمار الصيني الوافد، وقد تم تنفيذ هذه الإجراءات جزئياً من خلال إشراف قوي من قبل لجنة الاستثمار الأجنبي في الولايات المتحدة، وشمل هذا التصعيد أيضاً حظر استخدام بعض الأجهزة المصنعة في الصين من قبل الوكالات أو الشركات الحكومية الأمريكية، بالإضافة إلى حظر تصدير أجهزة تكنولوجيا المعلومات (IT) إلى الشركات الصينية والمنظمات الأخرى التي تظهر على قائمة الكيانات، بما في ذلك إعادة تصدير التقنيات الأمريكية عبر دول ثالثة.

ويظهر مما سبق أن الباب قد فتح أمام مواجهة صينية - أمريكية كبرى في المجال الرقمي، فقد أقرت بكين عام 2015م، برنامجاً طموحاً باسم «صنع في الصين 2025» لتعزيز تكنولوجياتها، ويطبّق هذا البرنامج بالتوازي مع مخطط استثمار ضخم في البنى التحتية لبناء «طرق الحرير» من الصين إلى إفريقيا، الذي يسمح لعدة دول نامية أن تتوجه إلى الصين لبناء شبكات الاتصال ومحطات التقوية ومراكز المعطيات وأنظمة المعلوماتية الحكومية، ويدفع تمدد الشركات الصينية في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية إلى توسع عمليات جمع بيانات عريضة صالحة لتطوير تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي الخاصة بها، فيما  تقوم الشركات الصينية العملاقة العاملة في الانترنت مثل «بايدو» و«علي بابا» و«تنسنت» على تطوير منصات ذكاء اصطناعي وسيارات ذاتية القيادة أو معدات مرتبطة بالإنترنت.

معركة اقتصاد البيانات العالمية

 

من المتوقع في القرن الحادي والعشرين أن تكون القدرة التنافسية في "اقتصاد البيانات"، أي القدرة على تجميع أكبر كم من البيانات مقارنةً بالدول الأخرى، هي المحدد الأول والأخير لنتيجة المنافسة الاقتصادية ككل، لذلك تتصادم الولايات المتحدة والصين كثيراً خلال محاولة كل منهما تحديد القواعد والأطر التي تحكم اقتصاد البيانات.

وتجادل الولايات المتحدة بأن الصين عملت دائماً على إقامة حواجز حول بياناتها وحجبها عن بقية العالم، في حين منحت دول أخرى جميع القادمين إليها حرية الوصول إلى الكثير من بياناتها، كما تجادل أيضاً بأن هذا النهج أدى إلى منافسة غير متكافئة وغير عادلة بين الصين من ناحية وتلك المجتمعات الأكثر حرية من ناحية أخرى، مما يشكل تهديداً خطيراً لخصوصية البيانات وأمنها، لذلك يبدو أن الولايات المتحدة تتحرك لتشكيل تكتل يمكنه الوقوف ضد الصين.

ونتيجة لذلك، يتوقع البعض أن يظل الاقتصاد العالمي مقسماً إلى تكتلات مع استمرار الانفصال بين أجزاء البيانات وأن تظل الاقتصادات الرقمية منقسمةً بين المعسكرات التي تقودها بكين وواشنطن.

عموما يظل النزاع بين أمريكا والصين نزاعاً معقداً ولا يقتصر على العمل العسكري فقط بل يمتد إلى صراعات أخرى قد تُؤدي هي الأخرى إلى نشوب حرب باردة جديدة يبدو أن فيروس كورونا سيُقربنا من هذه الحرب فمجريات هذه المواجهة ونتائجها هي التي ستحدّد أمدَ التغيير في شكل النظام الدولي الجديد.

 

    

    

    


إمريكا تقود مخططا جديدا لضم أراض فلسطينية جديدة لكيان الإحتلال
الاتحاد الأوروبي والهند يؤكدان أهمية العمل معا للتصدي لـ(كورونا)
النمسا متمسكة بمنع الدخول الى أراضيها حتى منتصف يونيو المقبل بسبب (كورونا)
رئيس وزراء الصين: قانون الأمن القومي سيدعم استقرار هونج كونج
الهند تسجل 6566 إصابة جديدة بفيروس كورونا
انتخاب محمد باقر قاليباف رئيسا للبرلمان الإيراني
قوات الاحتلال تعتقل ستة فلسطينيين بالضفة الغربية
مقتل 5 مصابين بكورونا في حريق بمستشفى في بنجلاديش
أميركا: فيروس كورونا يحصد أكثر من مئة ألف وفاة
البرلمان الصيني يصادق على فرض قانون الأمن القومي على هونج كونج