بحث :  
عقبات في الطريق نحو قمة العالم..الصين وحقوق الإنسان
عقبات في الطريق نحو قمة العالم..الصين وحقوق الإنسان
[27/مارس/2021]

صنعاء-سبأ:مركز البحوث والمعلومات

على الرغم من إنجازات الدولة الصينية الضخمة التي قطعت بموجبها أشواطاً كبيرة في سبيل الوصول لمصاف القوى العظمى، إلا أنها لا تزال تعاني من جملة من المشاكل الداخلية، سبق الحديث عن بعضها، والتي تضر بصورة العملاق الصيني وتخدش الشكل المثالي للنموذج الذي بات يمثله. ولعل الاضطرابات والاحتجاجات التي تشهدها بعض المناطق الصينية، ورد فعل الحكومة الصينية تجاهها، من أكثر المسائل الداخلية التي تسبب الصداع لصانع القرار الصيني، كونها تمس الهالة الإعلامية التي تسعى الصين بموجبها للترويج لنفسها باعتبارها البلد المؤهل لقيادة العالم وفق معايير أخلاقية وقيمية تعكس التماسك الشعبي الداعم والملتف حول القيادة الصينية على الصعيد الداخلي، والحرص على تحقيق المصالح المشتركة للدول بعيدا عن الهيمنة والغطرسة على الصعيد الخارجي، وبما يمثله ذلك من تناقض مع النموذج الأميركي الحالي للزعامة العالمية.

وبين الفينة والأخرى؛ تواجه الصين بعض الاضطرابات والاحتجاجات الداخلية التي تربك استقرار الدولة الصينية، وغالبا ما تلجأ السلطات لاستخدام القوة من أجل إخماد هذه الاضطرابات، ما يعرض سجل الصين في حقوق الإنسان للانتقاد الحاد من قبل عديد من الدول، خصوصا من قبل القوى الغربية المنافسة للعملاق الصيني وعلى رأسها الولايات.

ومع أن النهضة الاقتصادية الصينية التي تحققت جراء سياسة الإصلاح والانفتاح، واكبها ارتفاع في معدلات النمو والدخل الكلي والناتج المحلي الإجمالي، إلا أن ذلك لم يترافق مع توازن تنموي يشمل سائر أرجاء الصين، ويحقق العدالة في توزيع الاستثمارات وعائداتها؛ إذ اتسعت الفجوة التنموية بين المناطق الريفية والمناطق الحضرية، وكذا بين المناطق الساحلية والمناطق الداخلية في الدولة الصينية، بفعل عدة عوامل منها ما هو اقتصادي أو اجتماعي أو بفعل ظروف جغرافية طبيعية، أو نتيجة لممارسات إدارية تعسفية كمصادرة أراضي السكان عنوة مقابل تعويضات هزيلة أو طرد أصحابها بالقوة، وكذا النزاعات المتعلقة بشروط العمل ومعاييره وأجوره، بالإضافة لتضرر الكثيرين من التدهور البيئي ومشاكله الخطيرة، ومن ضمن العوامل التي تسهم في ارتفاع نبرة الاحتجاجات الاتهامات بالفساد التي طالت قوى نافذة في الحزب الشيوعي الحاكم، أو المطالبات بإدخال إصلاحات سياسية على نظام الحكم تتسع أحيانا للدعوة بتبني النظام الديمقراطي وإنهاء سيطرة حكم الحزب الواحد.

كل تلك العوامل تعكس حالة من السخط الشعبي وعدم الرضا المجتمعي خلال مراحل متعددة، الأمر الذي ترجم بين الحين والآخر من خلال عدد من المظاهر الاحتجاجية كعرائض التقديم، الاعتصامات، الإضرابات والمظاهرات. ولعل الذاكرة العالمية لازالت تحتفظ بمشاهد القمع الدموي الشديد التي مارستها السلطات الصينية تجاه الاحتجاجات الطلابية والعمالية في ميدان السلام السماوي "تيانانمين" في العاصمة بكين، في يونيو من العام 1989.

إلى جانب الاحتجاجات ذات الطبيعة المطلبية الاجتماعية أو السياسية، تبرز وبقوة الاحتجاجات ذات الطبيعة العرقية؛ فبلد كالصين بمساحته الشاسعة الممتدة على 9.6 مليون كيلومتر مربع، يتكون من فسيفساء متعددة من الأعراق والقوميات، حيث يتشكل من 55 أقلية عرقية معترف بها رسميا، تصل لـ 8.5 بالمائة من سكان بر الصين الرئيسي، إضافة إلى قومية الهان، القومية الرئيسة في الصين والتي تشكل أكثر من 91 بالمائة من سكان البلاد، ولكل من هذه القوميات لغة وعادات وتاريخا وثقافة تختلف عن الأخرى.

المفارقة هنا أن هذه الأقليات ذات انتشار واسع تقطن في 65 بالمائة من مساحة الصين وبشكل رئيسي في المناطق الحدودية منها، ورغم أن مناطقها تقع عموما في الأماكن البعيدة النائية، فإن بها ثروات طبيعية وبشرية واجتماعية غنية؛ففي الصين تحتل المناطق الرعوية ثلث مساحة البلاد، و94 بالمائة من هذه المناطق يعيش فيها أبناء الأقليات القومية، وهم ينتشرون بشكل رئيسيفي منغوليا الداخلية وشينجيانغ وسيتشوان والتبت وغيرها. والكثير من الأنهار الصينية الكبيرة تنبع في المناطق المأهولة بأبناء الأقليات القومية، وتبلغ الطاقة المائية الكامنة فيها نصف الطاقة المائية الإجمالية في الصين. ونفس الشيء لثروة الغابات، حيث نصف ثروة الغابات الصينية مكتنز في تلك المناطق، توجد في الصين أربع مناطق غابية كبرى، ثلاث منها في مناطق الأقليات القومية، لهذا السبب يعتمد الكثير من أبناء الأقليات القومية على رعى المواشي وصيد الأسماك أو الحيوانات البرية في حياتهم.

إلى جانب ذلك يوجد في مناطق الأقليات القومية كميات هائلة من الثروات المعدنية، فعلى سبيل المثال تحتل ثروات النفط والغاز الموجودة في شينجيانغ ثلث أو أكثر من إجمالي احتياطي النفط والغاز الطبيعي في الصين، وفي منغوليا الداخلية تتوفر ثروة غابية في شرقها، وثروة حديدية في غربها، وثروة حيوانية في شمالها، وثروة زراعية في جنوبها، وبالإضافة إلى ذلك تكثر فيها أيضا منتجات صوف الغنم والفحم وعناصر الأتربة النادرة.

ويكفل الدستور الصيني وقانون الحكم الذاتي الإقليمي القومي، تطبيق نظام الحكم الذاتي الإقليمي للأقليات، وهناك خمس مناطق مستقلة ذاتيا، وتتمتع هذه المناطق دستوريا وقانونيا بهيئات الحكم الذاتي تمارس وظائف وسلطات هيئات الدولة المحلية على نفس المستويات. كما يمنحها جملة من الحقوق تتمثل بـ: إدارة الشؤون القومية والمحلية بشكل مستقل، ووضع لوائح الحكم الذاتي واللوائح الخاصة وفقا للخصائص السياسية والاقتصادية والثقافية للقوميات المحلية، استخدام وتطوير اللغة القومية المنطوقة والمكتوبة، واحترام وضمان حرية الاعتقاد الديني للأقليات القومية، كذلك يسمح لها بالحفاظ على العادات والتقاليد القومية، وترتيب وتطوير البناء الاقتصادي، وتطوير التعليم والعلوم والتكنولوجيا والثقافة بشكل مستقل.

وبرغم ذلك يذهب بعض الخبراء في الشأن الصيني إلى أن الأمر هنا لا يتعلق باستقلال ذاتي حقيقي؛ حيث يرى هؤلاء أنه لا توجد وسائل قانونية وسياسية لتطبيق هذه الحقوق، كما أن قانون الاستقلال الذاتي الصادر في 1984 لا ينص على حق مشاركة الأقليات في قضايا مهمة مثل هجرة الهان وتمركز الصناعة أو حماية الموارد الطبيعية.

ويعكس واقع الحال، مشاكل خطيرة في التعامل الفعلي للسلطات الصينية مع موضوع الأقليات، خصوصا في إقليمي التيبت وشينجيانغ "تركستان الشرقية" المتمسكين بطموحاتهما في الاستقلال؛ حيث طالما شكل إقليم التيبت إزعاجا للحكومات المتعاقبة بسبب الخصائص الدينية للإقليم، والمكانة التي يحظى بها الدلاي لاما الزعيم الديني للإقليم على الصعيد العالمي والمعارض للوجود الصيني.في ذات السياق؛ تتهم بكين بحظر تدريس اللغةالتبتية في الأديرة، وإجبار الأطفال على مغادرةمنازلهم لحضور المدارس الداخلية التي تديرهاالحكومة، وإصدار تفسيرات رسمية للبوذية التبتيةتتوافق مع أيديولوجية الحزب الشيوعي الصيني، ماأدى بشكل أساسي إلى إزالة الهوية التبتية منالدين.

أما إقليم شينجيانغ الذي تقطنه أقلية "الأيغور" المسلمة؛ فلقد قام سكانه بثورات متعددة للتخلص من الحكم الصيني، منذ القرن التاسع عشر، ونجحوا مرتين في إعلان جمهورية تركستان الشرقية الإسلامية، عامي 1933 و1944، لكن بعد كل مرة يسقط الإقليم مجددا في يد الصين. وفي سبتمبر 2009، عادت قضية الإقليم وسكانه من الأيغور إلى الواجهة بعد احتجاجات من الإيغوريين وقمع دموي من السلطات، والى الآن لا زالت هذه القضية من القضايا الساخنة والشائكة التي تلطخ سمعة الصين الخارجية، كما تهدد الاستقرار الداخلي وما تسميه السلطات الصينية "الانسجام المجتمعي"، وهي تعمل جاهدة لتحقيق هذا "الانسجام" في الإقليم من خلال عمليات توطين واسعة لقومية الهان بغرض تغيير هويته الديموغرافية والعرقية؛ ففي عام 1949 كان هناك فقط أربعة بالمائة من الصينيين الهان يقطنون الإقليم، والآن تصل نسبتهم إلى نحو 40 بالمائة، ويمثل المسلمون الأيغور حاليا نحو 46 بالمائة من أصل 24 مليونا من السكان، ويتهم الأيغوريون الحكومة الصينية بتسهيل استحواذ أبناء الهان على ثروات الإقليم وعلى المناصب العليا، وذلك عبرزج ملايين منهم للاستيطان في الإقليم وسط حوافزاقتصادية مغرية منها منحهم إعفاءات ضريبيةشاملة، مع توفير المساكن والأراضي التي تمتمصادرتها من الأيغوريين المسلمين بعد أن تمطردهم إلى أطراف القرى والأراضي القاحلة،واعتماد الصين سياسة النفي والإبعاد والعقوباتالجماعية والعمل القسري الشاق في المعسكراتالحزبية للذكور والإناث، أو عبر التلاعب بديموغرافيةالأيغور البيولوجية على مختلف المستويات من منعالحمل والإجهاض والتعقيم وتحديد النسل والتحكمبالنمو السكاني في تلك المنطقة. كما يرفضون الاتهامات الرسمية للحركات المعارضة بالإرهاب ووصفهم بالانفصاليين، إضافة لجملة من الممارسات القمعية التي تتضمن الحرمان من ممارسة الشعائر الدينية، وزج الأيغوريين في معسكرات قسرية لإعادة تأهيلهم بالإكراه وتلقينهم نظاما أيديولوجيا موحدا، بغرض دمجهم في المجتمع الصيني، وتشكيل هويتهم الثقافية تبعا لذلك.

ومن وجهة نظر صانع القرار الصيني، فإن القضاء على أي تطلعات انفصالية في منطقة شينجيانغ يحتل أولوية قصوى؛ إذ يشمل الإقليم حدوداواسعة تبلغ نحو 5600 كم، ويجاور ثماني دول،تمثل كل منها مشكلة بالنسبة للصين؛ فمن الغربيحده خمس دول إسلامية وهي: كازاختسان،وطاجاكستان، وقيرغيرستان، وأفغانستان،وباكستان، وتلك الدول تمثل خطرا داهما علىالصين كونها تضم أعدادا كبيرة من الجماعات الإسلامية التي يصفها البعض بالإرهابية، كما يجاور أيضا دولتين نوويتين هما: روسيا الاتحاديةوالهند، أما الدولة الثامنة فهي منغوليا، وهذه أيضالها مشاكل قديمة مع الصين في تبادل الاحتلالبين الدولتين كحقيقة تاريخية واضحة، ولم تبنالصين سورها العظيم إلا لتوفير الحماية لها منمنغوليا، فجميع حدود الإقليم ساخنة، الأمر الذيجعل الصين تشعر بالقلق من عامل الجوار هذا.وحاليا يضع الصينيون في اعتبارهم أهمية الإقليم الاستراتيجية في مشروع طريق الحرير، بسبب موقعه الجغرافي على الخط البري للمشروع، ومن المهم بالنسبة إلى الصين أن يستقر هذا الإقليم سياسيا كي يتقدم المشروع، حيث يعتبر الإقليم بوابة الصين من الناحية الجيو- استراتيجية لدول آسيا الوسطى.

وبغض النظر عن دور الإقليم في مشروع طريق الحرير فإنه يلعب دورا مهما في تسليح الصين؛ففي السابق كانت الصين تجرب هناك في الصحراء أسلحتها النووية، واليوم يوجد فيه حقل التجارب للصواريخ المضادة للسفن، وتتركز فيه صواريخها الباليستية. كما أنه يزود الصين ب 13 بالمائة من إنتاجها الكلي للنفط، و28 بالمائة من إنتاج الغاز الطبيعي، ويضم أكثر من 82 بالمائة من الثروة المنجمية في البلاد، وحوالى 40 بالمائة من احتياطات الغاز والفحم الحجري، وثلث احتياطي الصين الكلي من النفط، إصافة لكميات كبيرة من الذهب واليورانيوم والموارد الطبيعية ذات البعد الاستراتيجي.

على صعيد آخر؛ وعلى إثر الاحتجاجات العنيفة التي اندلعت في هونج كونج في العامين السابقين، تتهم بكين بانتهاك القانون الدولي بعد إقرار قانونالأمن القومي لهونغ كونغ في حزيران/يونيو 2020، من خلال انتهاك شروط الإعلان الصيني البريطانيالمشترك للعام 1984، وهي معاهدة مسجلة لدىالأمم المتحدة، ويعد ذلك إخلالا بمبدأ "صينواحدة، ونظامان مختلفان"، المعمول به منذ نقلسيادة الإقليم من بريطانيا للصين في عام 1997، كما يفكك الحكم الذاتي لهونغ كونغ، ويشلالمؤسسات الديمقراطية، وينتهك حقوق الإنسان،ويلغي استقلال القضاء والحريات الفردية.

وتنتقد الصين بصورة دائمة في ممارساتها تجاهالصحفيين والمعارضين، وإجراءاتها الرقابية المشددةوالواسعة النطاق بحق الشعب الصيني.

وفي كل ذلك، ترفض الصين أي اتهامات لها بانتهاكات حقوق الإنسان وتراها لا أساس لها، كما تصف تلك الاتهامات بالتدخلات السافرة في الشؤون الداخلية الصينية. ومن منظورها الخاص فإن محاربة الفقر هو الحاجة الملحة والأكثر أولوية لدى الشعوب من تطبيق الديموقراطية على الطريقة الغربية، وهو الأمر الذي تروج لنجاحها فيه، ومستشهدة، في ذات السياق، بنجاحها كدولة مركزية بقيادة الحزب الشيوعي في التعامل مع أزمة كورونا، وفشل دول الديموقراطيات الكبرى في ذلك. وهي لا تنفك تؤكد بأحقية شعب كل بلدفي أن يقرر بنفسه مساره لتعزيز حقوق الإنساندون تدخل من الدول الأخرى، ومن ثم لا بد من إعادة تعريف حقوق الإنسان وفقا لذلك.


العدوان في مهمة تجويع أبناء المحافظات الجنوبية
المساجد في رمضان .. روحانية وأجواء إيمانية
صنعاء القديمة .. خصوصية استقبال الشهر الفضيل
الأمم المتحدة والفشل الذريع في حلحلة قضايا الشرق الأوسط 
الألعاب الالكترونية والتأثير السلبي على الأطفال
العدوان الأمريكي العلني المباشر على اليمن 26 مارس 2015م
النظام السعودي يتعجل الانضمام للتطبيع مع الكيان الإسرائيلي الغاصب
حرائر اليمن .. أدوار بارزة في تعزيز الصمود ومواجهة صلف العدوان
دمج أحفاد بلال في المجتمع خطوة مهمة لتعزيز النسيج الاجتماعي 
هيئة الزكاة بأمانة العاصمة .. مشاريع تنموية نوعية