بحث :  
هل تنجح تفاهمات المغرب في إنهاء الأزمة الليبية؟
هل تنجح تفاهمات المغرب في إنهاء الأزمة الليبية؟
[11/اكتوبر/2020]

عواصم - سبأ: محفوظ الفلاحي

فيما يعتبر الاتفاق الذي أعلن عنه الأربعاء الماضي طرفا الصراع الليبي بعد جولات من الحوار جرت بينهما في المغرب بمثابة ضوء يلوح في آخر نفق الأزمة الليبية، إلا أن المخاوف تظل باقية من مطبّات كثيرة في طريق التسوية.

تفاهمات شاملة حول المناصب القيادية

أعلن طرفا الصراع الليبي الأربعاء الماضي التوصل إلى "تفاهمات شاملة حول ضوابط وآليات ومعايير اختيار شاغلي المناصب القيادية للمؤسسات السيادية، وذلك في ختام الجولة الثانية من المفاوضات التي جرت بين وفدي المجلس الأعلى للدولة ومجلس النواب الليبيين في بوزنيقة قرب العاصمة المغربية الرباط خلال الفترة من 2-7 أكتوبر الجاري بهدف التفاهم على عدد من القرارات بخصوص مستقبل ليبيا.

وجاء في البيان الختامي للمفاوضات أن "انجازات جولات الحوار بين وفدي المجلسين تشكل رصيداً يمكن البناء عليه للخروج بالبلاد إلى الاستقرار وإنهاء حالة الانقسام المؤسساتي".

ولم يقدّم البيان أي تفاصيل حول فحوى التوافقات التي تم التوصّل إليها فيما أعرب الطرفان عن عزمهما "الاستمرار في لقاءاتهما التشاورية بالمملكة المغربية لتنسيق عمل المؤسسات السياسية والتنفيذية والرقابية بما يضمن إنهاء المرحلة الانتقالية".

وكانت الجولة الأولى من هذه المفاوضات قد انطلقت منذ نحو شهر في بوزنيقة وأعلنت عن اتفاق مبدئي بشأن المناصب السيادية.

ويضع وفدا الحوار التوافقات التي تم التوصّل إليها في الجولتين الأولى والثانية “رهن إشارة مؤسستي مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، للمضيّ قدماً في إجراءات تجديد هياكل المؤسسات السيادية”.

وجاءت هذه الضوابط والآليات وفق ما نصّت عليه المادة الـ(15) من الاتفاق السياسي المُبرَم بالصخيرات المغربية في 2015 بين أطراف النزاع تحت رعاية الأمم المتحدة، وأهم ما تضمنه تشكيل حكومة وحدة وطنية وتكليف الحكومة بممارسة السلطة التنفيذية وبرلمان طبرق بالسلطة التشريعية كما أعلن عن تأسيس مجلس أعلى للدولة.

غير أن خلافات سياسية عصفت باتفاق الصخيرات وأعادت البلاد إلى دوامة الحرب وأعمال العنف التي تشهد نزاعاً على السلطة منذ سقوط نظام معمّر القذافي في عام 2011، وتتنافس على السلطة في ليبيا حكومة الوفاق الوطني المعترف بها من قِبل الأمم المتحدة ومقرّها طرابلس في الغرب، وحكومة في الشرق منبثقة من برلمان منتخب يمثّلها المشير خليفة حفتر.

وأعلن الطرفان بشكل مفاجئ في أغسطس الماضي وقفاً لإطلاق النار، وفي مطلع سبتمبر الماضي مهّدت “مشاورات” بين الليبيين في مونترو بسويسرا الطريق أمام تسجيل تقدّم جديد من خلال التوصّل إلى اتفاق بشأن تنظيم انتخابات في غضون 18شهراً، كما مهّدت المفاوضات في مصر بين ممثلين عسكريين من الطرفين في نهاية سبتمبر الطريق لوقف دائم لإطلاق النار.

كيفية تقاسم المناصب

ذكرت مصادر سياسية ليبية ودولية أن المناصب السيادية قسمت بحسب الجغرافيا والسياسة بين المجلس الأعلى للدولة والبرلمان الليبيين وأنه تم وضع آليات وخريطة مشددة، بما يضمن نزاهة من يتقلد هذه المناصب، حيث تشرف اللجنة الدولية من صندوق النقد والبنك الدولي على الشروط والآليات التي وضعت للتأكد من توافرها في الأشخاص الذين يقدمون ملفاتهم للجنة.

وشددت المصادر على أن اللجنة الدولية محايدة، حيث ستفحص جميع الملفات المقدمة لشغل المنصب، ومن ثم يختار مجلس النواب 7 منهم ويرسلهم للمجلس الأعلى للدولة الذي يختار 3 منهم، على أن يختار البرلمان واحد من بين الثلاثة.

ووفق وسائل إعلام ليبية، فإنّ الخلاف بشأن المناصب السيادية يتمحور حول تعيين حاكم المصرف المركزي الليبي ورئيس المؤسسة الوطنية للنفط وقائد القوات المسلّحة.


مخاوف ليبية على مصير محادثات بوزنيقة المغربية

فيما يحاول المغرب تحريك المياه الليبية الراكدة، في محاولة لإنقاذ ما تبقى من اتفاق الصخيرات تبدو المهمة جد صعبة وسط تحديات الانقسام الليبي وتدخلات أجنبية، فبعد خمس سنوات على اتفاق الصخيرات، نسبة إلى مدينة الصخيرات المغربية التي احتضنت مشاوراته، لم يتغيّر الكثير في ليبيا، بل شهدت البلاد، في مرحلة ما بعد الاتفاق، حرباً مستعرة بين طرفين، واحد يمثل الجهة التي تمخضت عن محادثات الصخيرات وتملك شرعية أممية، أي حكومة الوفاق الوطني، والثاني يمثل ما يُعرف بـ"الجيش الوطني الليبي" (لا يبسط سيطرته الفعلية إلّا في الشرق)، وهو طرف لم يكن حاضراً بقوة في النزاعات السياسية ما قبل الاتفاق.

ويدرك المتتبع لمسار النزاع الليبي صعوبة تحقيق تقدم كبير لحلّ الأزمة في هذه الظرفية، وأن الجهود المغربية رغم أهميتها قد لا تحقق التقارب المنشود بسبب تشدّد مواقف طرفي الأزمة، خاصة مع استمرار خرق هدنة هشة بدأت قبل أسابيع، والتلويح المستمر بالعودة إلى الحرب، ودخول قوى أجنبية في البلاد دعماً لمعسكري القتال.

ولم تعد التحديات في الأزمة الليبية متعلقة فقط بالحرب بين سلطات الشرق والغرب، بل بالانقسامات الداخلية حتى داخل كل معسكر، فإيقاف حكومة الوفاق لوزير داخليتها فتحي علي باشاغا مؤقتاً لم يظهر مجرّد قرار سياسي، إذ كان باشاغا يملك نفوذًاً كبيراً في مدينة مصراتة، وكان على توتر مع المجموعات المسلّحة الداعمة لفايز السراج في طرابلس.

وحتى في الشرق الليبي، يعرف مجلس النواب بدوره انقساماً واضحاً وسط تراجع عدد النواب المؤيدين فعلياً لرئيس المجلس عقيلة صالح.

كما أن هذا الأخير يظهر مُركزاً على الحلّ السياسي ويبحث عن نجدة من الأمم المتحدة تضمن له دوراً في ليبيا المستقبلية، ما عمق خلافات بينه وبين حفتر ظهر الخلاف أكثر عندما أبدت قوات حفتر عدم اقتناعها بوقف إطلاق النار المعلن قبل أسابيع، في وقت احتفى به عقيلة صالح.

وتأتي القوى الخارجية لتزيد من الانقسامات الليبية، إذ يعد كثرة هذه القوى عائقاً أمام حلّ الأزمة، ومهما حاولت الأطراف الليبية التقارب، فلن يحدث ذلك ما لم تتوافق القوى الدولية على الحل.

يأتي ذلك في ظل كم هائل من التناقضات بين القوى الأجنبية في ليبيا، وأكبر مثال العداوة بين تركيا من جهة والإمارات ومصر من جهة أخرى، والتهديدات باندلاع مواجهات مسلحة مباشرة بينهما، كما أن التدخل التركي عقّد المسألة، ففي الوقت الذي يرفض فيه الغرب قيام نظام عسكري يضرب عرض الحائط القرارات الأممية، تتخوّف قوى غربية وعلى رأسها فرنسا من تمدّد النفوذ التركي في البحر المتوسط، مستنداً على دعمه لحكومة معترف بها أممياً.

ويرى مراقبون أن "الملف الليبي يعيش حالياً مأزقاً عسكرياً"، وهناك خشية أن تحاول بعض الأطراف الليبية، من خلال لقاءات كتلك التي تجري في المغرب، "الاستجابة لبعض الضغوط الدولية وعلى رأسها الإدارة الأمريكية، وكسب مزيد من الوقت للتهيؤ للمعركة الحاسمة عندما تتوفر الظروف الملائمة، خاصة مع غياب توافق القوى الدولية المؤثرة في الميدان على صيغة الحل السلمي".

ويحذر المراقبون من أن العودة إلى سيناريو حرب كبرى لا يمكن تفاديه في ظل هشاشة الوضع الحالي، مشيرين إلى تقارير أممية سرية نشرتها "نيويورك تايمز"، كشفت أن القوى الأجنبية مستمرة في الدعم العسكري لمن تدعمه في ليبيا، فقد حصلت قوات حفتر على حوالي 70 طائرة شحن وسفينة، فيما حصلت قوات السراج على 30 طائرة وسفينة، والمثير أن حتى قطر، التي قلّصت إمداداتها العسكرية لحلفائها منذ سنوات، أرسلت بدورها معدات عسكرية حسب التقرير ذاته.

وتبقى مدينة سرت ومحيط الهلال النفطي عموما كرة لهب بين الطرفين، إذ يرفض حفتر أن تتحول إلى منطقة منزوعة للسلاح، في حين تطمح قوات السراج ومن ورائها تركيا إلى السيطرة على منطقة ذات استراتيجية مهمة، ما يجعل معركة سرت متوقعة في أيّ لحظة، ويزيد الشرخ بين الأذرع السياسية والعسكرية داخل كل طرف من طرفي القتال تهديدات الحرب، وهو ما يظهر جلياً في الشرق الليبي الذي تتباين قراراته السياسية والعسكرية.

وما يزيد من المخاوف بشأن تعذر التوصل لحل للمسألة الليبية من خلال مفاوضات المغرب هو تعدد المنصات والمؤتمرات التي ضمت فرقاء المشهد الليبي، كمؤتمر برلين الذي لم ينجح في وقف التوتر رغم حجم الشخصيات التي حضرت فيه، ومبادرات أخرى تقدمت بها بعض دول الجوار كمصر، كما دخلت الولايات المتحدة وروسيا على خط الحوار الليبي – الليبي، عبر فتح مسارات مُوازية لمسار بوزنيقة المغربية، في مسعى لإحداث اختراق في الانسداد السياسي الذي عمقته الأجندات الإقليمية والدولية المُتنافرة، وعقدة انتشار السلاح والميليشيات والمرتزقة والتواجد العسكري التركي المُباشر في غرب ليبيا.

واستضافت موسكو مؤخراً مشاورات بين روسيا وفرنسا حول جهود تسوية الأزمة الليبية، بحسب وزارة الخارجية الروسية، ويأتي مسار موسكو فيما كشف ديفيد شينكر، مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأدنى، عن مساع حثيثة يبذلها دبلوماسيون أمريكيون مع شركاء أوروبيين، لدفع حكومة الوفاق برئاسة فايز السراج وما يسمى بالجيش الليبي بقيادة خليفة حفتر “للانخراط بشكل مثمر في المفاوضات”.

وأكد شينكر في تصريحات صحافية أنه يقضي وقتاً طويلاً إلى جانب وزير الخارجية الأمريكي مايكل بومبيو “لبحث ملف الأزمة الليبية، وذلك إلى جانب المباحثات المستمرة التي يُجريها مع نظيريه البريطاني والفرنسي”، واصفا أطراف الصراع بأنها “عنيدة جداً”، الأمر الذي جعل الوضع صعباً في ليبيا، ومحذراً من أن ليبيا أصبحت على مشارف التحوّل إلى سوريا ثانية.

وتُعقد بمقر الأمم المتحدة في مدينة جنيف السويسرية اجتماعات وجلسات حوارية بين عدة أطراف ليبية برعاية بعثة الأمم المتحدة في ليبيا ومركز الحوار الإنساني، وسط تعتيم كبير حول أهدافها، والأجندات التي تحكم مسارها، في الوقت الذي بدأت فيه في العاصمة المصرية اجتماعات ليبية – ليبية بمشاركة نواب من البرلمان والمجلس الأعلى للدولة.

وفيما تنظر الأوساط السياسية والنيابية الليبية إلى هذه التحركات بنوع من الحذر، يجري المشاركون في مسار الحوار الليبي – الليبي بضاحية بوزنيقة المغربية، جلسات اجتماعاتهم في مسعى للتوصل إلى اتفاق بخصوص المناصب السيادية وهيكلة مؤسسات الدولة وتثبيت وقف إطلاق النار.

ختاماً وبالرغم من التفاؤل الذي ساد أجواء مُجمل هذه الجلسات الحوارية وعززته تأكيدات تفيد بوجود ضمانات إقليمية ودولية باعتماد مُخرجاتها، فإن ذلك لم يمنع من بروز مخاوف جدية من وجود مناورات تشارك فيها الكثير من الأطراف وتهدف إلى إغراق جهود التسوية في مربع المسارات المتعددة.

وحذر مراقبون من أن تعدد المسارات الحوارية لا يخدم أبداً القضية الليبية، ويأتي في سياق خطة لإرباك المشهد خدمة لأجندات إقليمية ودولية تريد الإبقاء على ليبيا فاقدة لسيادتها، وقالوا إن الهدف من وراء ذلك هو التشويش على مسار بوزنيقة المغربية الذي وصفوه بالمسار “الصحيح” الذي يسعى إلى حل سلمي للأزمة الليبية بعيداً عن التدخلات الأجنبية والعسكرية.

 


الجبهة التربوية: صمود وثبات رغم هالة الخراب والدمار 
تقرير: ارتفاع الجريمة المنظمة في المحافظات الجنوبية المحتلة
الجامعة العربية .. الانتكاسة التي تسبق الانهيار
التطبيع مع الكيان الإسرائيلي ما بين مصالح بن زايد ومصالح الشعب الإماراتي
دول العالم تحتفي غداً باليوم العالمي للإحصاء
أسراب الجراد الصحراوي تهاجم مزارع السهل التهامي
السعودية تبعث برسائل في اطار "التطبيع" مع الكيان الإسرائيلي
الكيان الصهيوني يعاود استيطانه للأراضي الفلسطينية متجاهلا اتفاقيات السلام المزعوم
دموع الفرح تمتزج بدموع الانتصار بوصول الأسرى المحررين
استفادة  نحو 178 ألف مواطن من خدمات هيئة المستشفى الجمهوري بحجة