بحث :  
الصين والمسار الصعب في هونغ كونغ
الصين والمسار الصعب في هونغ كونغ
[28/يونيو/2020]

صنعاء - سبأ:
 
مركز البحوث والمعلومات : خالد الحداء
 
تصاعدت حالة التوتر في جزيرة هونغ كونغ بعد أن اقر البرلمان الصيني "الجمعية الوطنية الشعبية" قانون حول الأمن القومي في هونغ كونغ، بالإضافة إلى موافقة المجلس التشريعي في هونج كونج على مشروع قانون يجرم عدم احترام النشيد الوطني الصيني، ومع استمرار حالة الاحتقان داخل الجزيرة ما بين السلطات والشرطة من جانب والناشطين من الجانب الاخر، تثار العديد من التساؤلات بشأن المسار المستقبلي للعلاقة ما بين الصين وجزيرة هونغ كونغ منها، ما أهمية المركز المالي والاقتصادي لهونغ كونغ بالنسبة للدولة الصينية في الوقت الحالي؟ ما وراء الاحتجاجات المستمرة خلال السنوات الماضية؟ ما هي علاقة تصاعد الاحتقان في هونغ كونغ بالصراع القائم ما بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية ؟ ما مقدار المكاسب أوالخسائر المحتملة للصين من تقليص الحكم الذاتي في هونغ كونغ؟.
 
 
المركز المالي وأهميته للصين:
 
يصنف خبراء الاقتصاد المركز المالي لجزيرة هونغ كونغ من بين الأكبر في آسيا والعالم. ولم يكن هذا التصنيف المتقدم سوى انعكاس لواقع الحرية الاقتصادية اللافت في الجزيرة الذي يتوفر له وضع استثنائي على المستوى الدولي.
 
ينظر إلى الاقتصاد في هونغ كونغ على اعتباره واحداً من المراكز الاقتصادية والمالية المهمة  في العالم، حيث يتواجد به مائة بنك وأربعة أسواق مالية والتي تساهم بدرجة رئيسية في تمويل البنوك والمشروعات المختلفة، بالإضافة إلى كون الجزيرة  تضم أحد أعلى عدد لمقار الشركات التجارية في منطقة آسيا والعالم، وتحتل بورصة هونغ كونغ "سوق الأوراق المالية" الترتيب السابع عالمياً والثاني اسيويا.
 
وأصبحت الجزيرة مركزاً صناعياً مهماً منذ عقد الخمسينيات في القرن الـ 20، حيث يوجد بها ما يقارب 38 ألف مصنع، تقدم الكثير من المنتجات المصنعة كالمنسوجات و المعدات الإلكترونية، وكان لموقع الجزيرة الجغرافي دوراً ايجابياً في تطوير بنيتها التحتية والتي تضم اليوم أكبر موانئ الشحن وأكثر المطارات ازدحاما في العالم . 
 
ويشير خبراء المال والاقتصاد أن ترتيب الجزيرة المتقدم في ما يسمى بالحرية الاقتصادية كان بفضل انفتاحها على التجارة العالمية ولكونها بيئة استثمارية مستقرة تحميها القوانين الشفافة والسياسات الهادفة إلى جذب رأس المال، من خلال الضرائب المنخفضة والإجراءات التشريعية البسيطة لتسجيل وعمل الشركات التجارية الحرة.
 
وخلال عقود طويلة شكلت هونغ كونغ بوابه رئيسية للاقتصاد الصيني  خاصة في المجال المالي، ولكن الدور المحوري الذي تمثله هونغ كونغ بالنسبة للصين لم يعد كما كان عليه سابقاً، لا سيما مع القفزات الهائلة للاقتصاد الصيني (خلال العقود الماضية)، عندما قررت السلطات فتح حدودها والاندماج نسبيا مع الاقتصاد العالمي، والذي اوصلها إلى المرتبة الثانية عالميا من حيث الناتج المحلي بعد الولايات المتحدة الامريكية .
 
بالإضافة إلى ما سبق، شكل توصل الصين وبريطانيا عام 1984 إلى اتفاقية دولة واحدة ونظامان "والذي نص على عودة هونغ كونغ إلى السيادة الصينية بحلول عام 1997، مع تعهد الصين بأن النظام السياسي والاقتصادي الفريد للجزيرة سيبقى كما هو دون تغيير لمدة 50 عاما قادمة، أي حتى عام 2047 " دوراً سلبياً في أهمية إقليم هونغ كونغ بالنسبة للاقتصاد الصيني.
 
حيث تشير البيانات عن تراجع مساهمة هونغ كونغ في الناتج المحلي الإجمالي الصيني من نحو 17% عام 1997 إلى ما يقارب 3% في الوقت الحالي، كذلك تراجعت الصادرات الصينية عبر هونغ كونغ من 45% عام 1992 إلى 12% في العام 2019.
 
وعلى الرغم من هذا التراجع إلا أن محورية هونغ كونغ في المجال المالي مازال حيوي في المعاملات المالية ما بين الشركات الصينية والعالم.
 
 
المستجدات ومسار الاحتجاجات:
 
مسار المواجهات ما بين الحكومة الصينية والمحتجين في هونغ كونغ يبدو أنه في انتظار فصل جديد من المواجهات خلال المرحلة الحالية، خاصة مع اقرار البرلمان الصيني قانون حماية الأمن الوطني في الجزيرة.
 
وحسب وكالة شينخوا فإن القانون المجاز من قبل البرلمان الصيني، يشير إلى إنشاء مكتب جديد للأمن القومي خاص بجزيرة هونغ كونغ لجمع معلومات المخابرات، والتعامل مع الجرائم التي تمس الأمن القومي، وأن أنشطة الأمن القومي ستعمل على حماية حقوق الإنسان وستكفل حرية التعبير والتظاهر، بالإضافة إلى أن القانون اعطى لرئيس حكومة هونغ كونغ "كاري لام" صلاحية تعيين قضاة للنظر في قضايا الأمن القومي.  
 
هذا الواقع لم يكن ليرضي الناشطين في هونغ كونغ مع خشيتهم أن يكون القانون بداية النهاية لتقويض الحريات التي تتمتع بها الجزيرة منذ عودتها إلى السيادة الصينية، ولم يتأخر الناشطين في التأكيد على ضرورة استئناف المظاهرات بقوة والتركيز فيها على التنديد بهذا القانون وبقانون أخر يجرم عدم احترام النشيد الوطني الصيني .
 
وعلى ما يبدوا أن الدعوات الحالية للتظاهر لن تكون سوى امتداد للاحتجاجات السابقة والتي  دشنت في العام 2003 اعتراضا على قانون يفرض مزيداً من التبعية الصينية على الجزيرة، وفي العام التالي 2004 تكررت الاحتجاجات بعد أن أقرت الصين قانون  يحرم سكان هونج كونج من اختيار رئيسهم ومجلسهم التشريعي بصورة مباشرة.
 
وفي العام 2014 تجددت الاحتجاجات وبقوة والتي وصفت بالأضخم في تاريخ هونغ كونغ ، بعد أن أصدرت الصين قراراً يفرض إطار محدد على العملية الديمقراطية في الإقليم، ينتخب من خلاله سكان هونغ كونغ رئيس حكومتهم " الرئيس التنفيذي" في انتخابات عامة، إلا أنها ليست انتخابات حرة مباشرة، إذ نص القرار على أن يتم اختيار المرشحين من قبل مجمع انتخابي مكون من 1200 عضو أغلبهم مؤيدون للسلطات الصينية، وهو ما يضمن أن يكون الرئيس التنفيذي  في حالة تبعية كاملة للصين.
 
 وفي العام الماضي 2019 شارك مئات الآلاف من المتظاهرين في هونغ كونغ في مسيرات احتجاجية على مشروع قانون يسمح بتسليم المشتبه بهم إلى الصين لمحاكمتهم، ومع مرور الوقت تزايد أعداد المشاركين في تلك المظاهرات، والتي قدرت بحوالي مليوني متظاهر، ولم يكن أمام الحكومة الصينية مع تصاعد المخاوف من خروج الموقف عن السيطرة إلا التراجع من خلال تعليق مشروع القرار ومن ثم إلغائه نهائياً.
 
ومع هذا المسار من الاحتجاجات من قبل الناشطين والسكان في جزيرة هونغ كونغ، لا بد من الاشارة إلى أن جزء من دوافع المحتجين لم يكن على علاقة بالمطالب السياسية المرتبطة بالديمقراطية والحرية ...، ولكنها تعكس الواقع الاقتصادي الصعب الذي يعيشه سكان الجزيرة لا سيما مع تزايد نسبة الفقر ما بين السكان والمقدر بحوالي 20% من عدد السكان، بالإضافة إلى ارتفاع كلفة الحياة والمعيشة وبما يفوق مستوى الدخل المتوسط ، ويشير عدد من المختصين أن واقع تزايد نسبة الفقراء يكمن في أن الصين عملت على استغلال التقدم الاقتصادي والمالي في الجزيرة لصالح تحسين مستوى السكان في البر الصيني على حساب سكان هونغ كونغ.
 
:
 
شهدت العلاقات ما بين الصين والولايات المتحدة الكثير من الأزمات طوال العقود الماضية وفي العديد من الملفات السياسية والاقتصادية، ولكن حرص الطرفين كان واضحا للحيلولة دون  تطور تلك الخلافات إلى صراع مفتوح غير محسوب العواقب ، ولكن الوضع تغير خلال السنوات الأربع الماضية وتحديدا منذ وصول الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في العام 2016 ، حيث شهدت العلاقات العديد من الأزمات الحادة وفي مقدمتها اندلاع حرب تجارية غير مسبوقة بعد أن أعلن الرئيس الأمريكي عن فرض زيادة في الرسوم الجمركية على الواردات الصينية في عام 2018.
 
وعلى الرغم من كون الحرب المعلنة تجارية بحته، إلا أن مسار الصراع يشير بوضوح إلى أن التوتر بين البلدين أعمق من مجرد خلاف تجاري فقط، ولكنها مساعي أمريكية حثيثة لا تخفي رغبتها في إيقاف "أو على الاقل إبطاء" النهوض الاقتصادي للصين، وبالتالي فإن الهدف من تحجيم قدرات الصين كمنافس جيوسياسي لن تتوقف حاضرا ومستقبلا، ولن يكون مستغربا في سبيل تحقيق هذا الهدف استغلال واشنطن كافة القضايا الخلافية ( كالاتهامات بتفشي وباء كورونا ومحاولة ضم تايون واضطهاد الأيغور وأخيراً قمع الاحتجاجات في هونغ كونغ) في هذة الحرب تجاه الصين.
 
ولا بد من الاشارة أن الصين تعلم أن مزيداً من الاحتجاجات في هونغ كونغ، سوف ينعكس سلبيا على العلاقات الصينية بالعالم ، وقد يكون مدخلاً للتدخل في الشؤون الداخلية للصين. 
 
 والحقيقة أن تخوف الصين من التدخل الأمريكي له ما يبرره لا سيما مع مطالبة بعض المحتجين للرئيس الأمريكي بمساعدتهم في تحرير هونع كونع من الصين، وترافقت هذه المطالب مع تزايد التصريحات الامريكية المؤيدة للاحتجاجات في هونغ كونغ والرافضة لقانون الامن القومي مع التهديد في حال تنفيذه بتغيير أو تعديل قانون سياسة الولايات المتحدة تجاه المستعمرة البريطانية السابقة الموقع في عام 1992، والذي بموجبه واصلت أمريكا التعامل التجاري مع هونغ كونغ كطرف مستقل عن الصين بعد عام 1997.
 
جدير بالذكر أن القانون الأمريكي اعترف بالإقليم ككيان غير سيادي متمايز عن الصين بموجب القوانين الأمريكية، وهو ما يعني تمتع هونغ كونغ بمعاملة تفضيلية من حيث التجارة والاستثمار والهجرة والنقل والاتفاقيات الدولية، كما يفوض القانون وزارة الخارجية الأمريكية بمراقبة مسار الحكم الذاتي لهونغ كونغ، وتتعهد واشنطن حسب القانون بدعم الديمقراطية في الإقليم. 
 
وفي المجمل يكفي الإشارة أن الصراع الصيني الأمريكي في هونغ كونغ ليس حديثاً ولكنه يمتد إلى بداية الحرب الباردة حيث استخدمت الولايات المتحدة هونغ كونغ في اتجاهين الأول: كوسيلة لاحتواء انتشار المد الشيوعي القادم من الاتحاد السوفيتي وحلفائه، الثاني: تمرير سياسات التحرر والليبرالية إلى الصين الشيوعية.
 
 ختاماً:
ما قد يكون مقبولاً من قبل الدولة الصينية في فترة ما ليس بالضرورة أن يستمر، لا سيما إذا كانت المتغيرات الداخلية والخارجية "بعد حوالي ربع قرن منذ عودة هونغ كونغ" لم تعد هي نفسها، ، ولكن بكين تدرك عدم قدرتها على تجاوز إطار "دولة واحدة ونظامان" في الوقت الحالي، وقد يكون الخيار الأمثل هو المضي في تقليص مساحة الحكم الذاتي الممنوحة للإقليم والرهان على الوقت، ولكن ما يجب التأكيد عليه أن تلك التوجهات سوف تقابل بمزيد من الاحتجاجات لسكان الإقليم من جانب ومعارضة غربية من الجانب الأخر، والأهم في هذا المسار المحتمل، هو الخسائر المتوقعة التي سوف تنعكس على الاقتصاد الصيني، الذي سوف يتضرر في حال خسر الإقليم موقعه المتقدم ضمن أهم المراكز التجارية في العالم، كذلك تدرك الصين أن المضي في الخيار السابق سوف ينعكس بالضرورة على استقرار الإقليم الذي تعتبره الصين رأس الحربة لرعاية مصالحها الإستراتيجية خاصة في المجال الاقتصادي والمالي.

التدخلات الأمريكية في لبنان تثير مخاوف الأوساط اللبنانية
اليمن في مواجهة كورونا .. نتائج إيجابية مرضية
الرياضة في مواجهة كورونا .. من ينتصر ؟
إرتيريا وتحالف الشر السعودي الإماراتي
أسراب من الجراد تغطي سماء العاصمة صنعاء وعدد من المحافظات
وزارة الصحة تنجح في الحد من تداعيات فيروس كورونا " كوفيد 19 "
العدوان على محافظة حجة..أضرار وتداعيات كارثية
القضاء الوطني إنجازات في التوثيق والتحقيق والتنسيق لمقاضاة العدوان دوليا
مواصلة لخطوات التطبيع..النظام الإماراتي والكيان الصهيوني يقيمان مشاريع مشتركة
مأساة آل سبيعيان في مأرب .. جريمة حرب ضد الإنسانية