بحث :  
الأمن الصحي العالمي والتحديات القائمة
الأمن الصحي العالمي والتحديات القائمة
[21/مايو/2020]

مركز البحوث والمعلومات : خالد الحداء

 

بعد ما يقارب الخمسة أشهر من انتشار وباء كورونا على مستوى العالم، مازالت السمة الغالبة في التعامل الدولي مع الأزمة يتمحور باتجاه الحلول

الفردية من ناحية وتبادل الاتهامات من الناحية الأخرى، فمنذ البدايات الأولى من إعلان بكين عن أول تحذير بخصوص المرض وإبلاغ منظمة الصحة العالمية عن العديد من حالات الإصابة بالفيروس، كان من الواضح أن المواقف الدولية في عمومها تشير إلى أن المشكلة في الأساس تقع بدرجة رئيسية على عاتق الصين.

هذا الواقع الذي عاشه العالم أشار إلى حقيقة مفادها، أن التعاون لم يكن جزء من الاستراتيجيات الوطنية في ما يسمى الأمن الصحي الوطني، بمعنى آخر أن أوائل الدول المتضررة من جائحة كورونا كافحت بمفردها دون أي تنسيق أو تعاون يذكر، خاصة وأن أغلب الدول لم تكن في حساباتها أن يكون هناك تنسيق في حال كان هناك مرض أو وباء على مستوى العالم وهو ما يشير إلى النظرة القاصرة في هذا الاتجاه. يذكر أنه خلال العقود الماضية كانت هناك مساعي دولية لتحقيق أمن صحي عالمي موحد، وكانت البداية الفعلية مع ظهور فيروس نقص المناعة "الإيدز" الذي شكل دافعاً رئيسياً في الربط ما بين الصحة والأمن، ويعتقد الخبراء أن تكثيف الاهتمام بالأمن الصحي في تلك المرحلة كان انعكاس لحجم الخسائر

الكبيرة الناجمة عن فيروس "الإيدز".

وبالمقارنة ما بين وباء كورونا الجديد وغيره من الأمراض والأوبئة، فالوقائع تشير إلى أن هذا الفيروس التاجي يعد أكثر خطورة من غيره ،على الأقل، خلال العقود الماضية، وهو ما يستوجب أن يكون هناك إجماع دولي بأن الأمن الصحي العالمي مقدم على ما دونه من الخلافات، وبالتالي فإن من الضروري توجيه الموارد باتجاه رفع مستوى الأمن الصحي، ولن يتأتى لنا ذلك سوى من خلال مزيد من الاهتمام بالبحوث والابتكارات الطبية وتذليل كافة المعوقات السياسية والاقتصادية والتشريعية.

انطلاقا مما سبق يتبين أن اختلاف طرق واساليب الاستجابة بين الدول كان مرتبط إلى حدا كبير بمفهومها للأمن الصحي ولنا في التجارب الدولية

المتعددة خير دليل على ذلك الاختلاف، فالتجربة الآسيوية من خلال الصين وكوريا الجنوبية تختلف مع تجارب الولايات المتحدة الأمريكية ودول الاتحاد

الأوروبي.

وتشير تجربة دول شرق آسيا إلى أن مؤشر الأمن الصحي على مستوى كل دولة أو على المستوى الجماعي في تلك المنطقة يكون في العادة عند أعلى مستوى، لكونها اكثر عرضة لتفشي الاوبئة والأمراض، حيث سجلت العديد من الاوبئة حضورا قويا في دول المنطقة خلال العقود الماضية ، كانفلونزا الطيور والسارس، وخلف خسائر بشرية واقتصادية فادحة، وساهمت تلك التجارب المؤلمة في رفع حالة الطوارئ الصحية، وشكلت جرس إنذار مستمر تجاه مختلف الأمراض أياً كان مستوى خطورتها، والمؤكد أن التعامل مع تزايد حالات الإصابة بالالتهاب الرئوي في ووهان الصينية، وقبل أن يصنف كفيروس كورونا الجديد، جاء في سياق حالة الطوارئ الغير معلنة.

ومع إعلان الصين عن اكتشاف الفيروس الجديد رفعت دول شرق آسيا (كوريا الجنوبية واليابان وتايون وسنغافوره) مستوى حالة الطوارئ والتأهب الطبي وبما يتناسب مع الغموض الذي شكله الفيروس، بمعنى أخر أن تلك الدول لم تتعامل مع الوباء القادم من الصين على اعتباره شأن صيني ولكنها تعاملت معه على اعتباره تهديد لأمنها القومي بدرجة رئيسية.

 

بالمقابل كان مفهوم الأمن الصحي لدى أغلب الدول الأوربية والولايات المتحدة الأمريكية يقتصر على الاهتمام بجوانب محددة، وليس كمفهوم شامل للأمن الصحي والمتعلق بكفاءة أجهزة الدولة وتوفر القدرات المناسبة للتعامل مع انتشار الفيروس، ويرى عدد من المختصين أن محدودية انتشار الأوبئة والأمراض خلال العقود الماضية في أوروبا وأمريكا قد يكون سبباً في تلك النظرة القاصرة في التعامل مع خطورة انتشار وباء كورونا، مع الاشارة إلى أن هناك تجارب أوروبية ناجحة في التعامل مع كورونا الجديد وفي المقدمة التجربة الألمانية الرائدة في الاستجابة الشاملة للمخاطر والتهديدات منذ البداية، كونها الأكثر اهتماما بالخدمات الصحية، وللتدليل على مستوى النجاح الالماني في هذا المواجهة هو مؤشر انخفاض أعداد الوفيات بالمقارنة مع المحيط الأوروبي.

الامن الصحي العالمي

ساهمت العولمة خلال العقود الماضية في تقريب العالم بصورة كبيرة في مختلف الجوانب حتى اصبح العالم يعيش نفس الهواجس، خاصة وأن العولمة قد استطاعت أن تتخطى كل الحدود دون سابق إنذار وشكلت التداعيات السلبية الناتجة عن العولمة مشاكل وتهديدات عديدة بما فيها الجانب الصحي، ولتتشكل مع مرور الوقت مخاوف مشتركة للأمن الصحي العالمي والذي يعرف حسب منظمة الصحة العالمية الأمن الصحي العالمي بأنه: الأنشطة التي تخفض إلى أدنى حد مخاطر وتأثيرات الأحداث الصحية المهددة لسلامة سكان المناطق الجغرافية أو العابرة للحدود.

واعتبرت الأمراض المعدية خلال السنوات الماضية نوعا جديدا يضاف إلى المشاكل الأمنية المتعددة العابرة للحدود ويمكن القول إن الفكرة القائلة بأن للدولة قدرة على حماية نفسها من أي أوبئة خارج الحدود الوطنية ليست سوى فكرة خاطئة، وما حدث من تفشي للأوبئة خلال العقود الماضية على مستوى العالم يؤكد على خلل عميق في من يتبنى تلك الافكار لكون الأوبئة تعتبر تحديا للمفهوم التقليدي الذي يركز على محورية الدولة في التحليل الأمني.

وتعززت أهمية مفهوم الأمن الصحي على المستوى الدولي عام 1994 عندما تضمن تقرير التنمية البشرية الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي مفهوم الأمن الصحي على اعتبار أنه أحد أركان مفهوم الأمن الإنساني الشامل، وأشار التقرير، أن من الضروري الانتقال بمفهوم الأمن التقليدي إلى ما هو أوسع ليشمل الإنسان "عوضاً عن الدولة" باعتباره المحور الرئيسي للأمن لا سيما مع تزايد التهديدات كما ونوعا التي تواجه الإنسان.

وعلى الرغم من الجهود الدولية خلال المرحلة الماضية في التأكيد على أهمية الأمن الصحي الجماعي، إلا أن الواقع يحكي غير ذلك مع إعلان منظمة الصحة العالمية تحول انتشار فيروس كورونا إلى جائحة ووباء دولي في 13من شهر مارس الماضي.

الا أن الجهود لم تسجل شراكة حقيقة للحد من انتشار الوباء، بل أنها سجلت سقوط مدوياً وصراعا ملحوظا عندما تزايدت حالات القرصنة على الكمامات ومعدات الحماية الطبية في المطارات والموانئ المختلفة دون وجه حق، وساهمت حالة القلق والخوف من بعض الدول في طلب مزيد من المعدات الطبية وبما يفوق حاجيتها وهو ما انعكس على اسعارها، وبالتالي تضرر العديد من الدول بشدة مع نقص الامدادات الطبية والذي ترافق مع تسجيل الوباء انفجار كبير في عدد الإصابات وبطريقة مفزعة والمثال الأبرز على ذلك ايطاليا.

ولم يقف التخبط الدولي عند هذا الحد ولكنه استمر من خلال تدشين تنافس غير منسق ما بين الدول الكبرى للوصول إلى إنتاج لقاح أو علاج للقضاء على وباء كورونا، متناسين أن التخلص من الوباء أو الحد منه لن يكون سوى بجهود وتنسيق عالمي مشترك خاصة في ظل عولمة جعلت من الأمراض والأوبئة عابرة الحدود مهما كانت الاحترازات المتخذة من قبل الدولة.

ولم تكن المنظمات الدولية أفضل حالاً من الدول، فتعامل الأمم المتحدة ومنظمتها الرئيسية المعنية بالصحة والمتمثلة بمنظمة الصحة العالمية مع

مسار أزمة وباء كورونا يشير إلى أنها لم تكن على استعداد كافي للتصدي للوباء القاتل، ولم يكن لها القدرة على تقديم المساعدات الطارئة للدول

الأكثر تضررا من الجائحة، وعلى الرغم من هذه الحقائق إلإ أن تحميل الأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية وزر ما حدث غير منطقي، خاصة وأنها لا تملك التفويض الدولي للضغط على الدول للكشف عن مستوى انتشار الوباء فيها أو الزام تلك الدول بتقديم مختلف البيانات المرتبطة بكيفية انتشار ومكافحة الفيروس، بالإضافة إلى أنها لا تملك الموارد الضرورية والقدرات التقنية لتطبيق المعايير العالمية المطلوبة في مختلف الدول.

هذه الحقائق يضاف لها أن تمويل المنظمة الدولية يخضع في كثير من الاحيان إلى الابتزاز السياسي من قبل بعض الدول، لا سيما الولايات المتحدة

الامريكية التي أعلنت عن قطعها الدعم المالي للمنظمة الدولية عقابا لها بعد فشلها في الحصول على المعلومات الكافية، بشأن الفيروس ونشرها بطريقة شفافة"، ولتأخرها في التحذير منه، والأهم من ذلك لتحيزها للصين.

 

ختاما

ويكفي القول، أن الأزمة الصحية التي يعيشها العالم اليوم الناتجة عن جائحة كورونا كانت بمثابة لحظة كاشفة عن فشل النظام العالمي الحالي في

تنسيق الجهود للتصدي للمخاطر المحدقة بالعالم، وعليه لا بد من بناء نظام عالمي جديد يرتكز على صياغة منهج دولي متفق عليه يتمحور في جعل القضايا الرئيسية المشتركة ( السياسية – الاقتصادية – الثقافية - الصحية – الاجتماعية ) في أعلى سلم أولوياته.


بين استشهاد إياد ومقتل فلويد سلطة الإرهاب الصهيو أمريكي واحدة
كيف صنع الإعلام الرعب من كورونا ؟
احتجاجات أمريكا .. نتاج لتاريخ من العنف والجريمة
وسائل التواصل الاجتماعي ما لها وما عليها في ظل جائحة كورونا
الاحتجاجات الأمريكية تكشف عنصرية النظام ووحشيته
المراكز المالية العالمية : خسائر الاقتصاد العالمي جراء (كورونا) تقارب الـ 9 تريليون دولار
المرضى في اليمن .. بين الموت انتظاراً وطائرة أممية خاصة
حجة .. أجواء العيد في ظل العدوان وتداعيات كورونا
تطورات الأزمة الليبية ومسار التدخل التركي
أكثر من 6 مليون إصابة بجاحة كورونا في العالم ووفاة نحو 369 ألف