زخرفة الجص وصناعة الجمال في محاريب الجامع الكبير بصنعاء


https://www.saba.ye/ar/news3118161.htm

وكاله الانباء اليمنيه سبأ | سبأنت
زخرفة الجص وصناعة  الجمال في محاريب الجامع الكبير بصنعاء
[30/ نوفمبر/2020]

صنعاء – سبأ : محمد الطويل

تصوير / مروان السياغي

تخلد النفس للطمأنينة والسكينة التي تنبعث من كل جوانب المسجد، ويزداد الانغماس عند الاقتراب من المحراب؛ فهو مصدر الانبعاث . كل ألفاظ الذكر وأنات البوح وهمسات الدعاء ولهجات الاستغفار واستسلامات الابدان تطوف وتسعى داخله ؛ استعدادا لرحلتها إلى الانعتاق.

المحراب قلب القبلة ، ومركزها الذي تتعمده الصلوات، ترنو إليه الابصار لحظة دلوفها المساجد، تتمنى المكوث النهائي فيه والاتحاد معه، نورانيته لا تنضب؛ إنها تتجدد في الاوقات الخمسة، معلنة الصفاء الازلي المتسع بحدود السموات والأرض.

في هذه المحطة يتوقف (سبأ نت) مع المحاريب في الجامع الكبير بمدينة صنعاء القديمة ، بعد أن طاف في محطته السابقة مع المآذن في مساجدها.

يفرد الدكتور غيلان حمود غيلان الصفحات الأول  من كتابه " محاريب صنعاء حتى أواخر القرن (12هـ/ 18م)، لوصف المحاريب في الجامع الكبير، متناولا تاريخ بناءها ووصفها المعماري وزخرفتها وموقعها والتحديثات الكائنة فيها.

  كلما دخل عليها زكريا المحراب

يقول غيلان في مفتتح دراسته  المعمارية: "يزين جدار القبلة من الداخل محرابان الأول مستوٍ معمولٌ من الجص يقابل البلاطة الثامنة ويقع شرقي الباب المخصص لدخول الوالي والثاني مجوف يقع غربي ذلك الباب، ولم يبق من المحراب الاول إلا جزء من غربية وساكفه المحفور بالجص لزخرفة قوامها عناصر كأسية اعتمدت في تكوينها على مبدأ تكرار وتناوب العناصر النباتية المتجانسة بعد ارتباط بعضها ببعض من الاسفل بأغصان رشيقة ويتوسط المحراب شريط كتب عليه الآية الكريمة:" كلما دخل عليها زكريا المحراب" ويتصل بجانبي الساكف شريط جصي عريض فيه آيات من سورة الجمعة ولعل هذا المحراب يعود إلى زمن السيطرة الأيوبية وقد غطى في الوقت الحاضر بمنبر خشبي حديث وضع موازيا لجدار القبلة.

محراب المنقورة والمسمورة

أما الرواق الجنوبي ( المؤخرة) ؛ فيشير الدكتورغيلان  إلى أنه  يشمل على محراب مجوف حديث خالٍ من العناصر الزخرفية يعود إلى التوسعة التي حدثت سنة (1386هـ / 1966) ، ويشتمل  هذا الرواق على المساحة الأصلية الأولى للجامع عند إنشائه.

ويحوي هذا الرواق كما تصفه الدراسة على  بقايا الجزء الأعلى من محراب جصي بين المنقورة والمسمورة دمر في التوسعة الأخيرة، ولم يبق منه إلا النزر اليسير ويبدو أن هذا المحراب كان متألفا من إطارات جصية بارزة أحدها خارجي كبير يزين أعلاه طاقات صماء صغيرة متصلة وبارزة، عقودها ذات خمسة فصوص تتوسطها دائرة كبيرة مملوءة بالزخارف النباتية، أما الإطار الآخر فنجده محيطا بحنية المحراب التي لم يعد ظاهرا منها سوى القوس الأعلى كما نجد كوشتي العقد قد زينت بدائرة تكونت من تداخل الاشرطة الزخرفية النباتية ، ومن المرجح ان هذه الزخارف البارزة كانت قائمة على مهاد من الزخارف النباتية الدقيقة، إلا أن معالمها طمست بسبب التجصيص، ما أدى إلى ضياع ما تبقى من معالم شكل المحراب الذي يعود إلى مدة التجديدات المتوالية على عمارة الجامع فيما قبل القرن( 6هـ / 12م).

وفي الرواق الشرقي يوجد محراب مجوف في القسم الجنوبي من الرواق سعته 1.25م وعمقه 65 سم خال تماما من الزخرفة ويعود إلى الإصلاحات التي قام بها القاضي حسين السياغي في سنة 1966م".

محراب في هيئة محارة

أما الرواق الغربي، فيقول كتاب ( محاريب صنعاء) :  "  يشمل على محراب يبرز عن الدار بمقدار 8سم وارتفاعه الكلي 4.10م وعرضه 2.95 وفي وسطه حنية مجوفَة عمقها 65سم وسعة فتحتها 95سم ويتوج الحنية عقد نصف دائري ارتفاعه 2.30م ولايرتكز على أعمدة مندمجة كغيره من المحاريب، وعلى الرغم من كثرة التجصيص الذي نفذ على هذا المحراب وطلائه بالأصباغ  إلا أنه مازال يوحي بما يخفيه هذا الطلاء من بعض العناصر الزخرفية حيث نجد أن حمية المحراب تتوجها زخرفة على هيئة محارة ويعلو حنية المحراب عقد نصف دائري تتوسطه جامة دائرية شغلتها سورة الاخلاص كتبت على هيئة نجمة ذات ثمانية رؤوس وغطت باقي المساحة في باطن العقد زخارف نباتية متنوعة.

ويحف بهذا المحراب شريط عريض طمس تماما من الاسفل، إلا أنه مازال شبه واضح في الأعلى إذ نجد بقايا نص من آية الكرسي"... ولا يحيطون بشء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السموات والارض ، ولا يؤدُه حفظهما وهو العلي..".

المحراب المستطيل

في هذه الجزئية من الدراسة المعمارية ( محاريب صنعاء) يقوم الدكتور غيلان بوصف المحراب الاساسي للجامع الكبير والذي يتوسط جدار القبلة على هيئة مستطيل يبرز عن سمت الجدار بمقدار 5سم ويبلغ ارتفاعها 4.25م وعرضها 3.10م ولا تلتصق هذه الكتلة بسقف المسجد إذ يفصل بينهما وبين السقف شريط خشبي وهو الشريط الذي قامت بعمله السيدة بنت أحمد وكتبت عليه اسماء جميع الأئمة انتهاءً بإمام عصرها.

 تقول الدراسة :" يتكون هذا المحراب من مستوين شأنه في ذلك شأن معظم المحاريب اليمنية، وتتوسطه حنية عمقها 93سم وعرضها 135سم ويرتفع عقد حنية المحراب 2.10م والحنية خالية من الزخارف عدا شريط أضيف عليها مؤخرا نصه (لا إله إلا  الله محمد رسول الله)، وضع أدنى شبه قبة مضلعة تتوج حنية المحراب التي يحف بها عمودان جصيان مندمجان يتكون كل منهما من بدن مستدير ليس له قاعدة ويتركز على الارض مباشرة ويعلو كل عمود تاج مشطوف عند حافته الداخلية وغطي العمود والتاج بزخارف نباتية متنوعة أضيفت إليه في الوقت الحاضر وكان العمود قبل ذلك أملس وخاليا من الزخارف. ويعلو تاج العمود عقد مدبب مطول نفذ على واجهته كتابة بخط الثلث على مهاد من الزخرفة النباتية ( محمد المصطفى وعلي المرتضى وفاطمة الزهراء والحسن المجتبى والحسين الشهيد بكربلاء صلوات الله عليهم أجمعين) ويحف بالعقد من الجانبين زخرفة نباتية قوامها غصن نباتي أفعواني الحركة تخرج منه أنصاف مراوح نخلية ويترفع الغصن قرب كوشتي العقد إلى فرعين غطى كل فرع جهة، أما كوشتي العقد فقد زينت بزخرفة قوامها غصن نباتي متشابك وينتهي كل طرف فيه بنصف مروحة نخلية ويعلو عقد حنية المحراب شريط كتابي بخط  الثلث نصه : عمل هذا المحراب بعناية القاضي الأجل ضياء الدين عمر بن سعيد الربيعي أجزل الله ثوابه في سنة خمس وستين وستماية".

أما المستوى الثاني من المحراب فيتكون على حد وصف الدراسة  من عقد مدبب مطول يرتكز على عمودين جصين مندمجين يتكون كل منهما من جزءين: الجزء السفلي تغطيه زخارف نباتية متنوعة أضيفت إليه مؤخرا في أثناء عملية ترميم حديثة، وقد كان في السابق هذا الجزء أملس وخاليا من الزخرفة، أما الجزء العلوي من بدن العمود فتشغله زخارف نباتية محورة من التوريق العربي( الأرابسيك) يصعب تفريغها وذلك لكثرة الأصباغ عليها مما طمس بعض مفرداتها وصعب معرفة موضوعها الزخرفي.

مراوح نخلية

وتضيف دراسة ( محاريب صنعاء) : يعلو بدن كل عمود تاج جرسي الشكل تغطيه زخرفة قوامها أشرطة هندسية مضفورة حصرت فيما بينها مراوح نخلية ويعلو كل تاج حدارة كتب على وجه كل منها ثلاثة اسطر الحدارة الأولى من جهة اليمين كتب عليها ما نصه: عمل هذا المحراب العبد الفقير، إلى الله عبد الصمد بن أحمد بن ابي الفتوح وولده أحمد وجعلا ما يستحقانه من الأجر على ذلك، صدقة لله تعالى طالبا للثواب الجزيل تقبل الله منهما).

ويرتكز على الحدارة رجل العقد المدبب الذي تزينه واجهة كتابة بخط الثلث على مهاد من الزخرفة النباتية نصها: يا ايها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور وكان بالمؤمنين رحيما).

أما باطن العقد فقد شغله في الجزء الأعلى منه عقد زخرفي كتب داخله لفظ الشهادة (  لا إله إلا الله محمد رسول الله) وزينت أعلاها زخرفة نباتية محورة، أما الجزء الاسفل من باطن العقد فقد شغله ثلاثة اشرطة الأول منها. تزينه زخرفة  قوامها عنصر زخرفي منفذ بالتكرار بما يشبه الشرفات ويدنوه شريط تزينه زخرفة نباتية قوامها أغصان نباتية ذات حركة أفعوانية متشابكة تخرج منها أنصاف مراوح نخلية وتحصر بينها مراوح نخلية ثلاثية الفصوص.

ونجد الشريط الثالث كتب عليه بخط الثلث ما نصه( كلما دخل عليها زكريا المحراب).

وتوضح الدراسة أن كوشتي العقد مزين من جهة اليمن بلفظ الجلالة ( الله) ومن جهة اليساربـ ( محمد) ( صلى الله عليه وسلم) وغطيت المساحة المتبقية بزخرفة نباتية قوامها غصن نباتي أفعواني رشيق يتجه إلى الأسفل وتخرج منه أنصاف مراوح نخلية.

زهرة خماسية

تشير الدراسة إلى أن كتلة المحراب الخارجية محاطة بشريط عرضه 50سم نفذ عليه كتابة بخط الثلث يقرأ من جهة اليمن ( بسم الله الرحمن الرحيم: اقم الصلوات لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قران الفجر كان مشهودا، ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا، وقل ربي أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق وأجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا).

ويكتنف المحراب من الجانبين شريط زخرفي يمتد من الاعلى الى الاسفل تزينه زخرفة نخلية نباتية قوامها ثلاثة اغصان نباتية افعوانية الحركة متشابكة تخرج منها أنصاف مراوح نخلية وشغل الفراغ بزهرة خماسية الوريقات.

 ويقول الدكتور غيلان حمود في نهاية وصفه لمحاريب الجامع الكبير :" من خلال دراسة المحراب يتضح لنا أنه يعود إلى عصر آل يعفر الحواليين في القرن 3 هـ/ 9م ، أما زخارفه فإنها تنقس ، إلى قسمين منها ما يعود إلى 665هـ/1266م، وذلك لوجود نص تاريخي يؤكد ذلك، توزعت حول المحراب وطاقيته وعلى الاعمدة وتيجانها وكذلك على واجهة العقود المدببة ، اما القسم الثاني من الزخارف فانها تعود الى العصر الحديث فقد توزعت في الاشرطة الزخرفية الاخرى التي تكتنف المحراب مما دفع بعضهم الى الاعتقاد ان المحراب والمنطقة المحيطة به جميعها قد اعيد زخرفتها حديثا".