ما وراء عفو أبناء خاشقجي عن قتلة أبيهم


https://www.saba.ye/ar/news3097924.htm

وكاله الانباء اليمنيه سبأ | سبأنت
ما وراء عفو أبناء خاشقجي عن قتلة أبيهم
[27/ مايو/2020]

صنعاء - سبأ :

إعداد / محفوظ الفلاحي

أثار إعلان أبناء الصحفي السعودي جمال خاشقجي الجمعة الماضية العفو عن قتلة أبيهم الكثير من التساؤلات حول أبعاد هذه الخطوة ودلالاتها وما إذا كان أبناء خاشقجي قد تعرضوا إلى ضغوط لـ”تصفية” قضية والدهم الذي قتلته المخابرات السعودية في أكتوبر 2018م، أثناء تواجده في القنصلية السعودية في اسطنبول والذي ما زال مصير جثته المقطعة مجهولا.

ويمكن القول أن إعلان العفو الذي جاء على لسان صلاح خاشقجي الذي قال في تغريدة على تويتر، إنه وإخوته قد عفوا عمن قتل أبيهم، دون الإشارة إلى هوية مرتكب الجريمة، كانت خطوة متوقعة ومرتب لها في هذا التوقيت وذلك للمؤشرات التالية:

الحرص السعودي على إغلاق هذا الملف:

مما لاشك فيه أن السعودية حرصت وعملت منذ البداية على إنهاء القضية التي أثارت غضباً عالمياً وإدانات دولية واسعة واتهامات للسعودية بقتلها المتعمد لخاشقجي وما تلاها من تدهور للعلاقات بين المملكة ودول غربية، وتوجهت الأنظار إلى ولي العهد محمد بن سلمان التي قالت تقارير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية وحكومات غربية إنه أصدر الأوامر بقتل خاشقجي، الذي كان ينشر في صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية مقالات ناقدة لسياسات بن سلمان الذي أقر في سبتمبر الماضي بأنه يتحمل جزءاً من مسؤولية عملية الاغتيال كونها وقعت في عهده لكنه شدّد على أنّها تمت من دون علمه، ومنذ ذلك الحين يعمل بن سلمان على تلميع صورته وإقفال هذا الملف.

التكييف والتمهيد القانوني:

كان من الواضح أن السلطات القضائية السعودية عملت منذ البداية على الاتجاه بهذه القضية إلى مسار العفو من قبل العائلة وظهر ذلك من تكييف النيابة العامة السعودية للقضية من بدايتها في إطار القصاص، وأشارت النيابة في التقرير النهائي في نوفمبر من العام 2018م، إلى أن خاشقجي قضى نتيجة «شجار» وحقن «بجرعة مخدرة كبيرة أدت إلى وفاته، وتجزئة جثته في ما بعد» بعد نقلها من القنصلية السعودية في تركيا.

وأضافت أنه تم تشكيل فريق لاستعادة خاشقجي بأمر من نائب رئيس الاستخبارات السابق، وأن مستشاراً سابقاً ساهم في الإعداد لعملية استعادة خاشقجي، وأكدت أن قائد مهمة استعادة خاشقجي قرر قتله في حال الفشل بإقناعه.

وأشارت النيابة العامة، حينها إلى أنها أحالت القضية للمحكمة مع استمرار التحقيقات مع بقية الموقوفين للوصول إلى حقيقة وضعهم وأدوارهم، مع المطالبة بقتل من أمر وباشر جريمة القتل منهم، وعددهم خمسة أشخاص، وإيقاع العقوبات الشرعية المستحقة على البقية بعد أن وجّهت الاتهام إلى 11 شخصاً من بين 21 شخصاً تم التحقيق معهم.

وأصدر القضاء السعودي في ديسمبر الماضي أحكاماً ابتدائية في القضية، برأ بموجبها ثلاثة مسؤولين بارزين من الجريمة، وهم: سعود القحطاني المستشار السابق لولي العهد السعودي، والقنصل السعودي في إسطنبول محمد العتيبي، واللواء أحمد عسيري النائب السابق لمدير الاستخبارات، وحكم بالإعدام بحق خمسة أشخاص كما عوقب ثلاثة آخرون بالسجن 24 عاماً وتم حفظ الدعوى بحق  10 أشخاص والإفراج عنهم لعدم كفاية الأدلة، ولم يعلن حتى الآن أسماء المحكومين.

ورفض معارضون سعوديون إعلان العفو وقالو إن قضية قتل خاشقجي "ليست عائلية أو شخصية"، ولا من قبيل القتل الخطأ، وأن السلطات السعودية قتلت خاشقجي بسبب عمله السياسي.

وذكّروا أن خاشقجي قتل غيلة وذكروا بقرارات سلطات القضاء السعودي الصادر قبل ست سنوات الذي ينص على ماهية قتل الغيلة وعقوبته، وهو أن يكون القاتل خدع المقتول وغرر به واستدرجه بطريقة الأمن، وأن يكون المقتول واثقاً تمام الثقة في القاتل، وأن صاحبه يقتل بحد الحرابة، ولا يجوز فيه العفو، والحق العام فيه مغلب على الحق الخاص.

من جانبها قالت خديجة جنكيز، خطيبة خاشقجي أن "جريمة قتله المشينة لن تسقط بالتقادم ولم يعد لأحد حق في العفو عن قاتليه"، في ردها على تغريدة أولاد خاشقجي.

ضغوطات وإغراءات :

أكدت مصادر صحفية أن أبناء خاشقجي تعرضوا لعملية ضغط وإغراء في نفس الوقت من قبل ولي العهد السعودي لإعلان العفو وإنهاء القضية وأكدت صحيفة “ميدل إيست آي” في أغسطس الماضي أن هناك توجيهات من ولي العهد محمد بن سلمان لإغلاق ملف قضية خاشقجي عبر عفو أولياء الدم عن قتلته.

في حين قالت صحيفة "واشنطن بوست" في إبريل الماضي أن أبناء خاشقجي مُنحوا منازل تقدر قيمتها بملايين الدولارات ودفعات شهرية لا تقل عن عشرة آلاف دولار، إلا أن صلاح نفى أن تكون تلك المنح لإسكاتهم عن المطالبة بحق والدهم.

أبعاد توقيت إعلان العفو:

من أبرز ملامح توقيت العفو وإنهاء هذا الملف أنه يأتي قبل احتدام الحملة الانتخابية الرئاسية الأمريكية وقبل انتهاء الفترة الرئاسية للرئيس دونالد ترامب الذي وجد نفسه متورط بشكل شخصي في هذه القضية عندما ظهر مدافعاً عن ولي العهد السعودي وانتقاده لوسائل الإعلام على ضوء هجومها على السعودية وبالذات على بن سلمان.

فقد تم توريط ترامب ضمنياً في قضية لا علاقة مباشرة له بها، فيما أصبحت الحكومة السعودية هدفاً مفضّلاً لدى النقّاد السياسيين لترامب وسياسته الخارجية بسبب هذا الرابط وبسبب إمكانية التهجم على الرياض بدون أي كلفة سياسية أو رد فعل عنيف على الساحة المحلية، بخلاف الحلفاء المقربين الآخرين لترامب في الشرق الأوسط (كإسرائيل مثلاً).

فكان من المناسب إغلاق هذا الملف لتخليص ترامب من أحد الملفات التي من المؤكد أنه سيكون من أبرز الأوراق التي سيستخدمها ضده خصومة الديمقراطيون، وأيضا لاستغلال انشغال الإعلام الأمريكي بجائحة كورونا وأزمة الاقتصاد الأمريكي، ويبدوا أن هذا ما تم بالفعل وظهر ذلك من الفتور الذي تعامل به الإعلام الأمريكي مع إعلان العفو على العكس من التغطية الساخنة والنقد القوي الذي مارسته خلال الفترات والتطورات السابقة للقضية منذ بدايتها ومروراً بالأحكام الصادرة من القضاء السعودي.

من ناحية أخرى جاء توقيت هذه الخطوة فيما الحكومة التركية التي كانت من أقوى الأطراف الدولية تشدداً في التعامل مع هذه القضية، منشغلة بقضايا كثيرة أبرزها كورونا والتدخل في ليبيا، وظهر ذلك من فتور الرد الرسمي التركي على إعلان العفو فيما كانت تركيا التي اتهمت السعودية بإرسال فريق من 15 شخصاً -بينهم مسؤولون أمنيون- لقتل خاشقجي في إسطنبول يوم 2 أكتوبر 2018م، بعد أن تم استدراجه للقنصلية السعودية بالمدينة، وطالبت بتسليم المتهمين لمحاكمتهم في تركيا، لكن السلطات السعودية رفضت ذلك.

فقد رأت الحكومة التركية في هذه القضية فرصةً لإضعاف وعرقلة خصم إقليمي كبير لها بكلفة ضئيلة، فاستغلتها ببراعة فائقة، ولكن تركيا توخّت الحذر في هذا الإطار فتجنبت إحداث قطيعة كاملة مع السعودية أو استفزازها لترد بانتقام كبير.

بل سعت حكومة أنقرة إلى إحراج الرياض وخصوصاً الأمير محمد بن سلمان بينما أوضحت أنها لا تريد إحداث شرخٍ في العلاقات ولا تصرّ على توجيه لومٍ رسمي ضد ولي العهد شخصياً مع أنها استمرت بالتلميح إلى تورطه.

وقد بذل ترامب جهوداً من أجل ابتكار سيناريو يبعد مسؤولية قتل خاشقجي عن ولي العهد السعودي، مفاده أنّ هناك من تصرّفوا على هواهم وقتلوا خاشقجي خلال عمليّة تحقيق، وذلك بلا علم من القيادة السّعوديّة، وكلّف بشكل مفاجئ وزير خارجيته مايك بومبيو بإدارة وساطة بين أنقرة والرّياض على ضوء هذا السيناريو وهذا ما تم فعلا.

فقد كان الأمر يتعلّق بأحد أعمدة السّياسة الأمريكيّة الخارجيّة، فلا تستطيع الولايات المتّحدة بكلّ بساطة غضّ النّظر عمّا حدث، ولا ضرب مصالحها بعرض الحائط من خلال إنهاء الشّراكة مع السعودية فكان لا بدّ هنا من حلّ استراتيجي متوازن.

ختاماً يتوقع مراقبون أن يكون إغلاق ملف قتل جمال خاشقجي بداية توجه سعودي لإغلاق ملفات وقضايا أخرى تورطت فيه السعودية وفي مقدمتها الحرب العدوانية التي تشنها على اليمن منذ اكثر من خمس سنوات بالإضافة إلى ملفات أخرى كسوريا وليبيا في وقت يعاني فيه الاقتصاد السعودي من أزمات حادة بسبب تبعات جائحة كورونا وانخفاض الطلب على النفط بالإضافة إلى خسائرها جراء تدخلاتها وتورطها في تلك القضايا.